التطبيع مقابل لقمة العيش !
كتب ناجي صفا
لم تكن اوروبا بهذه الوقاحة يوما ، او ربما لم نكن نحن لنشعر بها ، رغم ان الوقاحة هي سمة من سمات الفكر الإستعماري .
اوروبا تمسك لبنان من يده التي تؤلمه ، تضعه بين خياري الجوع او التطبيع مع العدو الصهيوني .
كنا ندرك منذ زمن بعيد وتحديدا منذ مشروع مارشال ان ثمة تبعية اوروبية للولايات المتحدة ، لكن لم نكن نتوقع انها ستكون بوقا يصدح بما تمليه عليها الإدارة الاميركية ، وانها رجع الصدى ، كثيرا ما املنا بأن تتميز اوروبا قليلا عن الولايات المتحدة، هي مدعية الحضارة والعراقة وحقوق الإنسان والعدالة واحترام القيم الإنسانية للبشر ، فان تتحول اوروبا الى علاقة ذيلية تابعة للولايات المتحدة واسرائيل ، هذا ما لم نكن نتوقعه، او ان يبلغ بها الامر هذا المبلغ .
المبعوث الاوروبي سيفن كوبمانز استفرغ كل وقاحته في لقائه بالرؤساء الثلاثة ، تحدث بلغة الإخضاع والإبتزاز ،” لن يتغير حالكم ما لم تخضعوا للشروط الاميركية – الاوروبية – الإسراتيلية وضمنا الخليجية ايضا، انتم امام احد خيارين، الجوع او التطبيع” .
دعا المبعوث الاوروبي لبنان بكل وقاحة للإنخراط بعملية ” السلام مع العدو الإسرائيلي” تحت مسمى “الحل النهائي “، قدم مغريات لقاء ذلك ، ” الخبز والدواء والكهرباء ” مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني .
رأى الأوروبيون في الأزمة الخانقة التي يعيشها لبنان سببا كافيا للضغط والبدء بالمفاوضات مع الكيان الصهيوني، وهذه المرة برعاية اوروبية ؟؟
تحدث المبعوث الاوروبي مع الرؤساء بصريح العبارة ، او بصريح الوقاحة “انتم لستم قادرون على حل ازماتكم ما لم تشاركوا في مفاوضات السلام ” ، ، وها نحن نفتح الأبواب امامكم لعملية سلام ستنعكس عليكم ازدهارا” . ومن عوامل الترغيب التي لجأ اليها كوبمانز بان ” عملية السلام ستحل لكم مشكلة الطاقة بشكل نهائي ، وستسمح لكم بانتاج الكهرباء واستثمار مواردكم النفطية والغازية” وان لبنان ” قد ينضم الى كونسورتيوم اقليمي يضم مصر والإمارات وقبرص واليونان واسرائيل وربما دولا اخرى” ما يساعدكم على استقدام استثمارات وإنعاش اقتصادكم ” .
عرض كامل ، وسلة متكاملة قدمها المبعوث الاوروبي للبنانيين ، معناها الضمني والعلني ، انه لا خبز ولا دواء ولا كهرباء ما لم تطبعوا مع “إسرائيل” ، ليس هذا فحسب وانما لا غاز ولا نفط تستخرجوه من حقولكم ما لم تطبعوا ، وهذا ما سبق ان قاله الموفد الاميركي عاموس هوكشتاين ، وها انذا اقدم لكم عرضا للإنضمام الى كونسورتيوم اقليمي دولي، لإستخراج وبيع وترويج غازكم ونفطكم بالتنسيق مع اسرائيل التي تسمح وتمنح .
لست افهم كيف استطاع الرؤساء الصبر والإستماع لقلة ادب هذا المندوب الحقير، وكيف لم يطردوه من مكاتبهم دون ان يسمحوا له بإكمال عرضه .
مخطئة اوروبا التي جاءت ناطقة بلسان الاميركي والإسرائيلي وربما الخليجي ايضا ، عندما تصورت انها يمكن ان تمسكنا من يدنا التي توجعنا او تؤلمنا ، او اننا يمكن ان نساوم على كرامتنا مقابل لقمة العيش ، فالحرة تموت ولا تأكل بثدييها .
2022-05-29