التضخم واكذوبة الديون الأمريكية!
نزار طالب
في الاقتصاد الحقيقي (الانتاجي) الذي كان سائدا كانت الأزمة الدورية تراوح بين الإنكماش والتضخم تتخللهما فترة رخاء؛
ففي حالة الانكماش تنخفض الاسعار بسبب فوضى الانتاج التي تؤدي الى زيادة العرض بالنسبة للطلب فتعمد المصانع الى تقليل الانتاج وبالتالي الى تخفيض المعروض من البضائع والسلع لتعود الاسعار للارتفاع وليعود فيتوازن العرض مع الطلب عند حد معين؛ او تستمر في خفض الانتاج – العرض ليزداد الطلب أكثر بالنسبة للعرض فترتفع الاسعار أكثر ويحدث التضخم؛ ثم تعود المصانع لزيادة الانتاج – العرض لزيادة الارباح التي يوفرها ارتفاع الاسعار وصولا للتوازن – الرخاء ثم العودة للإنكماش لتكتمل أخيرا دورة الأزمة أو الأزمة الدورية ولتبدأ دورة جديدة .. وهلم جرا.
أما وقد ساد “الاقتصاد المالي” اللاإنتاجي الوهمي وتراجع الاقتصاد الانتاجي الحقيقي لزيادة الارباح من خلال أقصر الطرق بالمتاجرة بالأموال دون ان يكون هناك مايقابلها من السلع فقد أفضى ذلك الى تصاعد التضخم وديمومة تزايده، خاصة اذا علمنا ان اصحاب رؤوس الاموال ومن اجل زيادة ارباحهم ينقلون اموالهم للإستثمار في المجالات الأكثر ربحية،فينتقلون هنا من الاقتصاد الانتاجي الحقيقي الى ما يسمونه بالاقتصاد المالي وهو اقتصاد لا انتاجي ووهمي.
العجز السنوي في الميزان التجاري الامريكي أزيد من ترليون دولار ويتزايد
كذلك في ميزان المدفوعات
وينعكس ذلك عجزا سنويا متراكما ومزمنا ومتزايدا في الموازنة العامة.
ولكن كيف لحكومة الولايات الامريكية المتحدة ان تسد هذا العجز؟
بالمزيد من العجز!
= بالمزيد من الدين!؟
في كل سنة ترفع الحكومة الامريكية سقف الدين الى ان وصل الدين المتراكم هذا العام ٣٣ ترليون دولار!!
الدين الخارجي ٧ ترليون
الدين الداخلي ٢٦ ترليون
اكثر من ٢٠ ترليون من البنك الفيدرالي
و ٦ ترليون من شركات ووكالات وأفراد .. ووو.
صحيح، ظاهريا، ان جل ايرادات البنك المركزي الفيدرالي الامريكي تأتي من الضرائب والرسوم وأرباح إستثماراته الخاصة وفوائد الديون إلا انه هو الذي يحتكر ويشرف على طباعة العملة (الدولار) و”يقدر” الحاجة اليها.
البنك المركزي الفيدرالي الذي تملكه بعض أغنى العائلات يبدو ظاهريا مستقلا عن الحكومة!
ولكن من هي الحكومة؟
الحكومة هذه نفسها هي التي تحكمها هذه البعض أغنى العائلات؛ وهذا هو أنضج تعبير عن الأوليغارشية التي تُعرَّف بأنها تلك القلة التي تمسك بيدها معا زمامي الثروة والسلطة.
حكومة القلة هذه التي تختفي خلف بهارج الديموقراطية المزيفة، الحكومة (الأفعى الخرافية) ذات الرؤوس الأربع “المستقلة جدا!”، التشريعية والتنفيذية والقضائية والمالية هي التي “تداور” شغلها وفق آليات رسمية دولتية سابغة عليها هالة من الهيبة الواجبة الاحترام من قبل الجمهور المغفل او العارف لكنه العاجز أمام سطوة أجهزتها المدججة بالمعلومات والأسلحة ووسائل الترهيب وصولا لوضع الأكثرية تحت أوطأ سقف للخضوع.
الأوليغارشية الأمريكية لا تعتاش على الديون ولا تسد الديون بديون جديدة:
انها تعتاش على طباعة العملة الورقية المغطاة بقوة أجهزة الدولة العسكرية الإحتلالية محليا أو المنتشرة قواعدها على مساحة الكوكب بما يزيد عن ٨٠٠ قاعدة.
والخلاصة:
ان تراجع الاقتصاد الانتاجي وسيادة “الاقتصاد” اللاإنتاجي المالي (وهو تطور اقتصادي تاريخي لا يمكن النكوص عنه؛ فرضته التجارب لتحقيق أقصى أرباح متعامد ومتسارع) لا يمكن ان يفضي الا الى التضخم مهما رفعوا من سعر الفائدة.
لقد حاول ترمب السباحة عكس التيار بالعودة الى الاقتصاد الانتاجي لكن محاولته هذه هي التي، ضبطا، أقصته من الرئاسة لدورة ثانية رغم فوزه في الانتخابات!
يقال ان رجب طيب اردوغان ينجح في خفض التضخم بخفض سعر الفائدة على عكس نظرية فريدمان الاقتصادي الامريكي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد القائلة بأن العلاج الأنجع لخفص التضخم هو رفع سعر الفائدة لتقليل المعروض من الأموال، ولكن اذا صح ما يقال عن علاج اردوغان المتمثل في خفض التصخم بخفص سعر الفائدة فهذا يعني ان الاقتصاد الانتاجي لا زال في تركيا متسيدا بحيث تؤدي الزيادة في المعروض المالي بسعر فائدة منخفض الى تشجيع القطاع الانتاجي على الاستدانة وبالتالي زيادة الاستثمار والانتاج وأخيرا المعروض من البضائع والسلع لتلبية الطلب وإمتصاص التضخم.
للتضخم اسباب أخرى اضافية منها زيادة الانفاق العسكري (ميزانية البنتاغون هذا العام ارتفعت الى أكثر من ٨٥٠ مليار دولار) كذلك الاموال الهائلة التي تنفقها الشركات التي لها علاقة بالأنترنت
والقروض الآجلة التي تيسرها البنوك للشركات والأفراد .
إعصار الانهيار الاقتصادي والمالي قادم قريبا لا محالة الى أمريكا خصوصا والغرب عموما ولن تنقذه كل الحروب بالأسلحة غير النووية.
ولكن حتى الحرب النووية لن تنقذ هذا الوحش الجريح لأنه سيفنى مع من يفنيهم.
انهم حقا لا يعرفون ما سيفعلون غدا
ليس أمامهم الا آلية تصعيد الحرب ولكن بحذر شديد
لكنهم يرون ان هذه الآلية تفاقم ازمتهم وتسارع من وتيرة تعقيدها.
هل سيفلتون الزمام ويسلموه لما تمليه افعال وردود افعال ساحات الحروب التي يشعلونها في كل مكان؟؟
هل ستستشعر شعوب الارض هذا الخطر الداهم وتنهض لتتدارك الامر؟؟؟
2023-06-04