التشبه والأقتداء في الزي في مقدمة ابن خلدون!
علي رهيف الربيعي

كتب ابن خلدون في مقدمته : ” الطراز من أبهة المللك والسلطان. ومذاهب الدول ان ترسم أسماؤهم او علامات تختص بهم في طراز اثوابهم المعدة للباسهم من الحرير او الديباج او الإبريسم، تعتبر كتابة خطها في نسج الثوب إلحاما وإسداد بخيط الذهب او ما يخالف لون الثوب من الخيوط الملونة من غير الذهب على ما يحكمه الصناع في تقدير ذلك ووضعه في صناعة نسجهم. فتصير الثياب الملوكية معلمة بذلك الطراز قصد التنويه بلابسها من السلطان فمن دونه او التنويه بمن يختصه السلطان بملبوسه اذا قصد تشريفه بذلك او ولايته لوظيفة من وظائف دولته “. ويمضي المؤلف في شرح ذلك عند ملوك العجم قبل الإسلام ثم تطوره في دولة الإسلام. وفي الرجوع إلى ما كتب فؤائد تاريخية.
وإذا كان الزي يجري من الأعلى إلى الأدنى وكانت محاكاة الأعلى تقع بين الأدنى اتضح” أن المغلوب مولع ابدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده ” . كما يقرر ابن خلدون في مقدمته. ” والسبب في ذلك أن النفس ابدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه او لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء او لما تراه والله اعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، وإنما هو مما انتحله من العوائد والمذاهب تغالط أيضا بذلك عن الغلب وهذا راجع للأول . ولذلك ترى المغلوب يتشبه ابدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها أشكالها بل وفي سائر أحواله. وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم “.
ولقد كان الأوربيون يقلدون العرب حتى بعد أن جلا العرب عن بعض الأقطار التي نشروا فيها حضارتهم. نذكر هنا ما ورد في رحلة ابن جبير كيف كانت نساء جزيرة صقلية يتشبهن بالعربيات ويتكلمن العربية فلقد كتب عن بلارمة :” وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين، فصيحات الألسن، ملتحفات منتقبات خرجن في هذا العيد المذكور ( يوم الميلاد) وقد لبسن ثياب الحرير المذهب، والتحفن اللحف الرائقة ، وانتقبن بالنقب الملونة، وانتعلن الأخفاف المذهبة وبرزن لكنائسهن او كنسهن (1) حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلي والتخضيب والتعطر.
فالاقتداء في الزي إذن علامة الضعف. وإذا كان كذلك فإن عالم الاجتماع يستطيع أن يستخرج من ذلك حوادث مقبلة. ولقد استشف ابن خلدون الغيب حين توقع سقوط الأندلس لما رآه في عصره من تشبه العرب بالجلالقة. فلقد كتب : ” وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم . حتى إنه إذا كانت أمة تجاور اخرى ولها الغلب عليها فيسري من هذا التشبه والأقتداء حظ كبير كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت. حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، والأمر لله . وتأمل في هذا سر قولهم : العامة على دين المللك، فإنه من بابه ، إذ الملك غالب لمن تحت يده، والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم “.
وكما يقلد الأدنى الأعلى ويحكيه في لباسه وعاداته وسيرته، فقد يعن للأعلى ان يقلد هو الأدنى ويحكيه في شؤونه طمعا في التقاط خوالج نفسية جديدة او إظهارا لبعض المحاسن المستورة.
(1)جمع كناس بيت الظبي وهو هنا مجاز.
2023 تموز 08