التجويع كفعل إعدامٍ سياسيّ!
سعيد محمد
يعيد توني ميلن، في كتابه ” Famine: Ireland, India and China, and the British Empire موضعة المجاعة في قلب الفعل السياسي/العسكري لا البيئي /الإداري، وينقل الجوع من كونه كارثة طبيعية في بيئة جغرافيّة معينة أو خللاً للنظام الاقتصادي فيها إلى ندرة مصطنعة، تنفّذ عبر سلسلة من الجهود الإجرائية المنظمة، كإستراتيجية سلطة، وأداة حُكم تعكس العلاقة المختلّة بين المركز الاستعماري والأطراف التابعة.
يفكك الكتاب وفق قراءة تاريخية مفاصل السياسة التي أمكن من خلالها للإمبراطورية البريطانية تحقيق أمنها الغذائي وتعظيم ثروتها الهائلة عبر نشر المجاعة، وسط وفرة المحاصيل التي تُصدَّر إلى لندن. ف (العوز)، وفق ميلن، لم يحدث لأن الغذاء لم يكن موجوداً، بل لأن السلطات تستولي على فوائضه أو تعرقل تداوُله. ففي إيرلندا مثلاً قضى مليون إنسان من الجوع بين 1845-1847 بعد أن منعت سلطات الاحتلال البريطاني المزارعين من استهلاك ما يزرعون إثر انهيار محصول البطاطا الذي يعد غذاء أساسياً للسكان المفقرين هناك، فيما استمر في ذات الوقت تصدير اللحوم والزبدة الفاخرة إلى إنجلترا في نموذج مكتمل لاقتصادٍ مصمم للتجويع يقوم على تكثيف النقص ضد مجموعة مستهدفة لتحقيق غايات سياسية منها الضبط السكاني، وتصفية المقاومة المحلية، وتعزيز أرباح رأس المال في المركز. وسلكت حكومة مجرم الحرب ونستون تشرشل مساراً مشابهاً في البنغال عام 1943، عندما منعت تصدير القمح الأسترالي – المتوفر بكثرة – في ذروة العوز، كسلاح استراتيجي لكسر إرادة مستعمرة متمردة بحرمانها من المادة الأساسية للطعام، وهو ما تسبب بمقتل ما يقرب من أربعة ملايين إنسان قضوا من الجوع والأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
مع أنّ ميلن يقدم أطروحته عبر محاكمة النهج التاريخيّ للإمبراطورية البريطانية في التجويع، فإنّ نصّه يُسعفنا في قراءة أزمنة الحصار المعاصر— من اليمن مروراً بالعراق وسوريا إلى غزّة — حيث تُستخدم السيطرة المحكمة على الموانئ والممرات البحريّة، والمطارات، والحدود ومصادر الثروة لفرض الطاعة السياسية، وإسقاط الأنظمة المناهضة للهيمنة، وتصفية أفق المقاومة للاحتلالات الأجنبية. والدرس الأوضح من الكتاب أنّ الآليات تغيرت لكن البُنى لم تتبدّل: الضرائب والجمارك في القرن التاسع عشر حلّت محلها عقوبات مالية ومعابر مغلقة في القرن الحادي والعشرين؛ والمحرّك واحد: إخضاع السكان عبر جعل اللقمة امتيازاً للخاضعين، وليس حقاً للمواطنين.
يتوقّف ميلن طويلاً عند دور الشاهد على المجاعة: الصحافي، أو المُثقف، أو حتى المؤرخ الذي يدوّن الحكاية بعد عقود، ويشير إلى هشاشة الخط الفاصل بين “التوثيق” و”الاستهلاك البصري”؛ فالصور الصادمة قد تُستعمَل لإيقاظ الضمائر الغافية، لكنها تظل عاجزة عن نقل شعور الجوع والعجز الفردي في مواجهة القرارات السياسية، وقد تتحوّل أيضاً إلى محض سلعة عاطفية تُعيد إنتاج لا مبالاة المتلقّي بعد إشباع فضوله الآنيّ. ومن هنا تتبدّى حيوية امتلاك لغة مقاومة جذريّة ومصطلحات تعبيرية تُعيد مركزة الفعل السياسي خلف المشهد البيولوجي، فلا تختزل الجوع في صور الأطفال الهامدين، بل تربطه بقرارات الحكومات، وتواطؤ (المجتمع الدولي)، وانصياع القادة العسكريين للقائمين على القرار السياسي بتنفيذ قرار الإبادة بالتجويع.
المجاعة، يجادل ميلن، ولكونها “جريمة مع سبق الإصرار السياسي”، تتطلّب مساءلةً تتجاوز مسألة الإغاثة الإنسانية. إذ لا يكفي إرسال شاحنات الدقيق وإلقاء صناديق الطعام من الطائرات دون كسر البنية السياسية / العسكريّة التي تجعل الدقيق نفسه رهينة. وما لم يتحوّل النقاش من “إغاثة الجائعين” إلى تحريض على “تفكيك بنيوية العنف»، يصبح الإعلام جزءاً من آلية التبرير، ويظل الجائع موضوع استدعاء للشفقة دون صوته كفاعلٍ سياسي.
يقول ميلن أن لندن دافعت في البداية عن إجراءاتها التي أدت لموت الملايين في البنغال، ثم حاولت تبريرها، وبعدها حاولت التقليل من تأثيرها وأعداد الضحايا، وفي النهاية ألقت باللوم على المقاومين. إنّ استعادة التاريخ الذي يكشف مسؤولية السلطات – سواء كانت إمبراطورية بريطانية، أو نخبة أمريكيّة، أو مستعمرة عبريّة —هو دائماً الشرط الأول لردّ الاعتبار للضحايا، ولإحباط الدّورة الأحدث من الموت المؤدلج عبر إدانة الفاعل دون لجلجة.
– لندن
2025-08-24