التجنيس الناعم كخطر بنيوي على الوجود الفلسطيني في سوريا: قراءة نقدية لملف “شركاء المصير”!
بقلم : خالد عطية
في لحظةٍ دقيقة من التحوّلات السورية، بعد سقوط النظام البائد وبروز إدارة انتقالية تحمل وعودًا بالعدالة والكرامة، يعود إلى الساحة خطاب “شراكة المصير” الذي يعيد طرح الوجود الفلسطيني في سوريا بوصفه سؤالًا قانونيًا وسياسيًا مفتوحًا. لكن اللافت في هذا الخطاب، كما يقدمه الأستاذ أيمن فهمي أبو هاشم في ملفه الصادر عن “مركز مدى”، أنه وإن بدا حقوقيًا ووطنيًا في مظهره، فإنه يضمر مشروعًا خطيرًا: التجنيس الناعم للفلسطينيين بوصفه “حلًا ديمقراطيًا”.
هذه الورقة تُشكّل قراءة نقدية تحليلية لهذا الطرح، من منظور تحصين الهوية الوطنية للاجئ الفلسطيني، ورفض تحويله إلى ملف إداري يمكن احتواؤه بمرسوم أو قانون.
أولاً: من الحقوق إلى الذوبان القانوني
في عرضه لقانون 260 لعام 1956، يُلمح الكاتب إلى أن هذا القانون “لم يعد كافيًا”، لأنه لا يمنح الفلسطيني حق الترشح والانتخاب والمواطنة الكاملة. وهنا يُعاد إنتاج الفكرة التي طالما روّج لها النظام السوري السابق (رغم ادّعائه دعم القضية): أن الفلسطيني في سوريا يجب أن يكون سوريًا بلا جنسية، أي مستقرًا قانونيًا لكن قابلًا للذوبان.
إن دعوة الكاتب لتعديل هذا القانون أو تجاوزه، تحت لافتة المساواة السياسية، هو محاولة ناعمة لإعادة تعريف الفلسطيني قانونيًا كسوري، تمهيدًا لمسح صفة اللجوء كهوية قانونية–تحررية.
ثانيًا: سياسة الخيارات المغلقة
يرسم الملف ثلاثة خيارات:
1. تعديل القانون ليشمل الحقوق السياسية.
2. إصدار مرسوم استثنائي.
3. التجنيس لمن يرغب.
هنا، تُقدَّم السياسة بوصفها تعددية مفتوحة، لكنها في الحقيقة تُغلق المجال على أي خيار يحفظ الهوية الوطنية القانونية للفلسطيني، دون أن يدفعه نحو الاندماج القسري.
والأخطر، أن الكاتب نفسه حاصل على الجنسية السورية، ويستثمر تجربته هذه لطرح التجنيس لا كمأساة سياسية بل كمخرج عقلاني! وهذا ما يجعل الخطاب ملتبسًا وخطيرًا، لأنه لا يصدر من الخارج بل من داخل الجسم الفلسطيني القانوني ذاته.
ثالثًا: التجنيس كإلغاء للجوهر السياسي للجوء
يرى الكاتب أن اكتساب الجنسية لا يتناقض مع حق العودة. وهذا طرح ملغوم:
• صفة اللاجئ لا تُستمد من مشاعر التمسك بالقضية، بل من الوضع القانوني الجماعي القائم على مبدأ عدم التوطين.
• اكتساب الجنسية يعني – في القانون الدولي – نقل المسؤولية عن اللاجئ من دولة الاحتلال إلى الدولة الجديدة، وبالتالي شطب القضية تدريجيًا.
من هنا، فإن التجنيس، حتى لو بُرر بعبارات مثل “من يرغب”، هو تفريغ منهجي لحق العودة من مضمونه القانوني، وتحويله إلى مسألة أخلاقية أو وجدانية.
رابعًا: من الحماية إلى التذويب السياسي
يطلب الكاتب شراكة الفلسطينيين في “الحياة السياسية السورية” من باب المشاركة لا التوطين. لكن هذا الطرح يُعيدنا إلى مشروع “التوطين الاختياري” الذي جرى ترويجه في حقب سابقة بعبارات جديدة.
إنّ منح الفلسطيني حق الترشح والانتخاب في بلد اللجوء، دون ضوابط قانونية صارمة تضمن خصوصيته، يعني سحب البساط من تحت قدميه كلاجئ، وتحويله إلى مواطن بديل.
وبذلك، تنتقل القضية من سياقها التحرري إلى سياق وظيفي إدماجي يخدم الدولة لا مشروع التحرير.
خامسًا: التجنيس في أوروبا كمثال مقلوب
يستشهد الكاتب بحالات فلسطينيين مجنّسين في أوروبا تمسكوا بحق العودة. لكن هذا المنطق معكوس:
• في أوروبا، التجنيس مشروط باللجوء السياسي أو الإنساني القائم على حالة فردية.
• أما في سوريا، فالتجنيس المقترح هو جماعي وظيفي، يهدف إلى تسوية ملف اللاجئين وليس حمايتهم.
الخلط بين التجنيس كحق فردي في اللجوء السياسي وبين التجنيس كأداة لتفكيك المخيمات والهوية هو خلط مقصود وموجّه لتبرير مشروع إلغاء القضية.
سادسًا: سؤال المستقبل – ما الذي يراد حقًا؟
رغم اللغة الهادئة في الملف، فإن الجوهر السياسي الذي يدافع عنه المشروع واضح:
• تحييد الفلسطيني عن كونه شاهدًا سياسيًا على الجريمة الصهيونية.
• تحويله إلى “مواطن عربي صالح” في دول ما بعد الربيع العربي.
• تفريغ المخيمات من رمزيتها المقاومة، وتحويلها إلى تجمعات مدنية بلا ذاكرة.
هذا الطرح، حتى لو لم يقصد بعض دعاته كل هذه النتائج، فإنه يخدم موضوعيًا مشروع الإلغاء الإسرائيلي–الغربي–العربي للقضية الفلسطينية، عبر تسوية قانونية ناعمة طويلة الأمد.
: في ضرورة الرفض الجذري
لسنا ضد تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، لكننا نرفض تحسينها عبر نزع صفتهم السياسية. نرفض مقايضة الحق بالكرامة، أو تحويل معاناة الفلسطيني إلى بوابة تفكيك مشروعه الوطني.
إنّ الرد على الإبادة الناعمة التي تُمارس باسم الحقوق لا يكون بتعطيل النقاش، بل بفتحه في الاتجاه المعاكس:
كيف نحمي الوجود الفلسطيني في سوريا كملف وطني لا كمشكلة سكانية؟
خاتمة: بين الحقوق الحقيقية ومخاطر الإلغاء الناعم
ما يُطرَح اليوم تحت عنوان “شراكة المصير”، لا يمكن عزله عن السياق الأشمل لتفكيك الوجود الفلسطيني في سوريا والمنطقة. فالتجنيس، حتى حين يُقدَّم كخيار “اختياري” أو كمدخل “للمساواة”، ليس إجراءً تقنيًا، بل إعادة هندسة شاملة للهوية والذاكرة والموقع السياسي للفلسطيني.
إن الحقوق الحقيقية لا تُختزل في البطاقة الشخصية، بل تتجسّد في حماية صفة اللاجئ بوصفها حاملة لحق العودة، لا عائقًا أمام الحياة الكريمة. وإنّ أي مقاربة تحاول أن تُسوّي بين معاناة اللاجئ واندماجه النهائي، تُسهِم – موضوعيًا – في استكمال مخطط شطب القضية الفلسطينية من مدوّنة التاريخ والحقوق.
ولهذا، فإن الفلسطيني في سوريا ليس بحاجة إلى جنسية بديلة، بل إلى ضمانات سياسية وقانونية تُبقيه جزءًا من مشروع التحرير لا ملفًا إداريًا مرنًا للسلطات. إنه لا يطلب مساواة تُذوّبه، بل شراكة تحمي خصوصيته وتُحصّن ذاكرته وتُمكّنه من المساهمة في بناء سوريا الحرّة **دون أن يدفع ثمن نكبته مرة أخرى باسم “الاندماج”.
إنّ الخطر اليوم لا يكمن في التجنيس القسري فقط، بل في سياسة “الإقناع الديمقراطي” به، عبر بوابة الحقوق المدنية. وإن لم يتم التصدي لذلك بخطاب فكري وسياسي واضح، فسنشهد في قادم السنوات عملية “تبخّر قانوني” للاجئ الفلسطيني من المشهد العام، واستبداله بمواطن عربي جديد، بلا ذاكرة، ولا وطن، ولا حق في العودة.
2025-07-07
