التاريخ والتأريخ وأهميته في حياة الشعوب!
عماد قطينة
إن قيمة الأشياء تكمن في قدرتها على تقديم شيء أو خدمة للمجتمعات . ومن ضمن عديد العناوين والقضايا التي تُطرح موضوعة التاريخ للشعوب والأمم التي كثير منها للتغني والفخر أو الزهو بماض كانوا فيه طليعة الحضارة والتقدم .
وفي الحقيقة أن ما نقرأه هو تأريخ وليس التاريخ بعينه . أي نحن نقرأ ما تم تدوينه أو سرده بغض النظر عن صحته ودقته أومطابقته للواقع . بعضه قد يكون مشوها او مبالغ فيه أو يُحرّف الحقيقة بهذا القدر أو ذاك .
والتاريخ كمجرى أو سياق تطور المجتمع الإنساني في السياق الزمني , بأحداثه وتفاصيله ومنجزاته أو إخفاقاته , هو صناعة وصياغة وتقرير المشاركين به أفرادا ومجتمعات . في حين ان التأريخ هو سرد وتدوين كُتّاب أو رواة يمتلكون قدرا معينا من العلمية والمصداقية والأهداف النقية أو الهادفة لخدمة ميول وغايات محددة وغير حيادية .
ما يهمنا هنا بعد التوضيح هو جدوى القراءة والإستيعاب , ونوع القراءة لما بين أيدينا من صياغات وتلخيص للتاريخ الذي نقرأ تباينات الكتاب فيه لذات المرحلة او الموضوع . وغالبا ما يكون التعصب للتاريخ إن كان مضيئا, أو غالبا ما نتبنى الصياغة الأقرب للرغبات ونعتمدها مطلقة الصدق , وكأن في ذلك تدعيم اساسات حاضر سيكون مزدهرا أو مزهرا تساوقا مع الماضي .
ما قيمة أن تمتلك ماضيا مشرقا وانت اليوم في الحضيض السياسي والعلمي والإقتصادي والأخلاقي ؟ماقيمة أنالعرب والمسلمين فتحوا العالم من حدود الصين حتى جنوب فرنسا ؟وأن العثمانيين احتلوا البلقان أكثر من أربعة قرون ؟ ماقيمة أن ندرس ونُدَرّس عن الثورة العربية الكبرى والتخلص من العثمانيين , ونحن كنا خدما في جيش الإستعمار البريطاني والفرنسي توطئة لسايكسبيكو التي قسمتنا دولا ودويلات ومشايخ تتبع الدول الوصية أو المستعمرة ؟
تاريخ أي أمة مشرقا كان أو قاتما , قيمته تكمن في العبرة من مرحلته السابقة , والدرس المُستقى منها . قيمته في علمية تحليله وتبيان مسببات النصر أو الهزيمة وقتها وقراءة المطلوب لتجاوز مرحلة وبناء مرحلة جديدة متسلحين بخبرة الماضي ووعي الحاضر .
ضياع فلسطين والسقوط العربي والوطني في تلك الحقبة التاريخية , هو بمثابة درس تاريخي , والتجربة التاصرية ايضا بما رافقها من انتصارات تحررية قومية عربية , هي ايضا درس تاريخي . ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها الواعدة حتى سقوطها المدوي منذ اوسلو وحتى اليوم هي تاريخ مقروء بأكثر من وجه , لكن نهايته ملموسة بغض النظر عن كيف ولماذا هي كارثة بكل المقاييس .
البعض يراها نعمة كمستفيد سياسي او اقتصادي منها وهو حال السلطة والمتنفذين فيها , وهم يكتبون تاريخها ( أي يؤرخون للمستقبل ) بقلم المستفيد ويتغنى بإنتصاراته فيها . والبعض الآخر يراها نقمة وكارثة وسياط تجلده , قياسا بمعاناته وفقره واعتقالاته واستشهاده وضياع أرضه وقيود تنقله وكبت حرياته , وبالتالي يكتب ويسجل( اي يؤرخ ) بقلم المتألم والمقهور والرافض لسياق الهزيمة .
التاريخ له وجوه والأحداث لها أكثر من قراءة كما ذكرنا . وبالتالي نرى أكثر من موقف واجتهاد . إنما صوابية الموقف تتكثف عند النتائج وليس مجرد التحليل والتبرير . تلك النتائج التي تترسخ على أكثر من شكل وصورة , لكن الصورة الحاسمة هي التي تعيشها القطاعات الواسعة , وليس شريحة أو حفنة متنفذين في مواقع القيادة او المسؤولية .
2021-10-23