البـحــر والـقَـلَـم …. قصة صوفية قصيرة
عمر ظاهر
كان يعاني من تشوّش أفكاره. لم يكن بعدُ قد عاش طويلاً، فكانت تجارب حياته ضئيلة وبسيطة وشفافة، لكنه كان قد قرأ الكثير عن تجارب الناس وأفكارهم، وأوصلته قراءاته إلى فكرة خطيرة، وهي أنه لا توجد هناك حقيقة.
وأوصله الأرق مع تلك الفكرة وتقليبها على كل الأوجه إلى فكرة أخطر، وهي أن الحياة لا معنى لها، وأن الوجود كلّه عبث.
وأحزنه ذلك كثيراً، وجعله منطوياً على نفسه، وراغباً عن كلّ ما يؤتيه الفتيان في عمره، يقول لنفسه كلما واجهه موقف: "ما قيمة هذا؟ ما معنى هذا؟"
وحين تحدث في حزنه مع الآخرين، قال له أحدهم:
– "إياك والضياع في عالم الفلسفة، إنه عالم شائك قد تسلك دروباً طويلة ومرهقة فيه لتجدَ نفسك بعد مشقةِ المسير وقد عدّتَ إلى الموقع الذي كنت فيه من قبل."
– "وهل لفكرتي علاقة بالفلسفة؟" سأل صاحبَه، فأجاب هذا:
– "نعم، فالإنسان إن ضلّ طريقه فإن الضلال يؤدي به إلى دروب الفلسفة، فلن يجد مخرجاً منها بعد ذلك."
وقال له آخر:
– "القليل من العلم يُضلّ الإنسان"، فقال في نفسه:
"إذن، فأنا محكوم عليّ بالضلال، ألا يقول الله تعالى {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}؟ فما بالي وأنا لم أؤتَ من هذا القليل إلا قليلاً."
لكنه أفاق ذات مرة ووجد نفسه مستلقياً في فراشه تحت نجمة الصباح اللامعة. كان النور ونسمات الفجر الباردة تجعله يشعر بالانتعاش، وتنبّه إلى أنه لم يأرق في الليلة الفائتة، ثم أن فكرة جميلة كانت تنتظر عند جفنيه لتدخل رأسه بمجرد أن يستفيق.
كانت عن مقولة قرأها في أحد الكتب لرجل يقول "إن كل تعميم خطأ، بما فيه هذا التعميم من قبلي". ابتسم وقال في نفسه كأنه يخاطب نجمة الصباح: "ما أقرب هذا الكلام إلى فكرتي الخطيرة، فعندما يدّعي أحدٌ أن ليس هناك حقيقة فإنه ينفي في الوقت نفسه أيضاً أن يكون ما يقوله هو حقيقةً"، ثم ضحك بصوت مسموع، وراح يُعيد لنفسه الحجج، فالمرء لا يستطيع أن ينفي وجود الحقيقة بشكل مطلق لأنه بذلك سينفي النفي نفسه. وظلّ مستلقياً إلى أن غلبه النوم من جديد.
ثم رأى أن يسأل أباه، فقال له هذا:
– "يابُنيّ، من قال لك إن القراءة هي الطريق الوحيدة إلى فهم حقيقة هذا الوجود، هذا إذا كانت أصلاً طريقاً إليه؟ ألا تدري أننا نتبع رسولاً كان أميّاً، قال له جبريل {إقرأ} فقال [لستُ بقارىء]، فقال له {إقرأ باسم ربك الذي خلق}؟"
بقي الفتى لأيام يفكّر فيما قاله له أبوه، وعاد إليه بعد أيام وسأله:
– "أي طريق أخرى إلى الحقيقة إذن يا أبتي؟" فقال الأب:
– "ها قد فتحتَ بسؤالك هذا باب الحكمة. إذهب إلى السورة الكريمة يا ولدي وتمعّن فيها علّك تجد ما تريد من جواب."
***
كان ينفر من المدينة، لأنه كان يرى أنها تخدّر حواسه، وتجعله بليداً، فصار يتركها كلما سنحت له الفرصة بحثاً عن الهدوء وصفاء الذهن. لم يكن بين الأماكن التي عرفها أحبَّ إلى نفسه من رأس الجزيرة، أو هكذا كان اسمه.
كانت الجزيرة تضيق إلى الشمال حتى تنتهي بتلّةٍ عالية، تغطي سفحها المنحدِرَ نحو الساحل الشرقي حقولٌ كثيفة من شجيرات التوت البرّي، بينما تطلّ على الساحل الشمالي والغربي كجدار منتصب بزاوية قائمة، وفي أعلاها بين الحقول والجدار تمتدّ فسحةٌ مستوية من الأرض كانت جرداء إلا من الأعشاب التي تنبت بين الصخور المتكسرة.
لم تكن الرحلة من وسط الجزيرة إلى هناك تستغرق أكثر من نصف ساعة عبر طريق متعرجة بين حقول الذرة، سلَكَ بعدها الطريق الضيّقة الملتوية إلى الذروة في الشمال.
ألقى برحالهِ هناك على التلّة، وتحسس الجيب الخلفي لسرواله قبل أن يجلس ليرى إن كان هاتفه فيه، فأخرجه، ووضعه في جيب قميصه، وجلس على صخرةٍ صغيرة يستريح قليلاً. أرسل بصره يميناً ويساراً، ثم مدّه مع الزرقة التي تلوّن الأفق، ورفع عينيه إلى الغيوم البيضاء كأنها القطن المنفوش، ثم أغمضهما برهة ينصت إلى هدير الأمواج، ويستجيب للنسمات المعتدلة باسترخاء في كتفيه. كان صوت الأمواج كأنه قادم من أعماق الزمن السحيق يحمل في طياته أخبار الخلق والخليقة على مر العصور.
وبينما هو في إنصات وخشوع مرت برأسه فكرة كوميض البرق، ففتح عينيه قبل أن يثقفَها فأختفت، فعاد وأغمضهما وراح يبحث عنها.
صارت النسمات المريحة تجعله يستسلم لإسترخاء لطيف في كل أطرافه، فيما بحثه عن الفكرة يتواصل، ولو رآه أحد في تلك الحال لبدا له من اسارير وجهه المنبسطة أنه يضحك في دواخله. ولم تفلح محاولته في العثور على الومضة التي مرّت برأسه، ففتح عينيه والتفت إلى متاعه. أخرج القرآن الكريم من الحافظة، وقال {بسم الله} ثم قرأ {إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم}.
وقال في نفسه: "إنه لأمر يستدعي الاستغراب. ملَكٌ رسول من الله يقول لرجل أمّي {اقرأ} كأنه لا يعلَم أن الرجل أمّي. وحين يردّ الرجل بأنه ليس بقارئ يصرّ الملَك الرسول على قوله {اقرأ بسم ربك}. أتُراه كان يعني أن الرجل سيستطيع أن يقرأ لو أنه ذكر اسم ربّه؟ أم أن كلمة {اقرأ} لها معنى أشمل من تهجي الحروف؟ إننا يمكن أن نتطلع في السماء، ونتفكر، ونقرأ أسرارها، وذلك ليس بتهجٍّ للحروف." ونقّل نظراته بصمت بين الصخور والحجارة لبعض الوقت، ثم عاود مناجاته: "يقول الملك له {الذي علّم بالقلم}، ويعلّمه الكثير وهو لا يُمسك بقلم."
وتزاحمت الأفكار وتدافعت في رأسه: "لمَ كان الرسول أمياً؟ ولمَ بقي كذلك؟ والقلم؟ أهو القلم الذي نستخدمه في الكتابة؟ هل علّم الله الإنسان بالكتابة؟ ربما.
أمسِكْ القلم بيدك، وحاول أن تكتب وسترى كيف تنبعث الأفكار في رأسك كأنها كانت في سبات تنتظر من يوقظها، ثم أنظر كيف تنتظم في سلسلة ثم تخرج إلى الوجود في ثوب من الكلمات. وهناك كلمة {علّم} نفسها. إن الله سبحانه يقول إنه علّم آدم الأسماء كلها. تُرى هل علّمه تلك الأسماء بالقلم؟"
نهض من على الصخرة، وهمس بصوت مسموع: "ربما كانت الكتابة هي الشجرة المحرّمة التي أخرجته من الجنة، فقد كان الله قد علّمه الأسماء كلها، لكن شجرة الكتابة جعلته يخرج من عالم الحقائق البديهية إلى عالم الفرضيات والسعي إلى إثباتها، من عالم الإحساس بالحقائق في أصلها إلى عالم الصياغة اللغوية لها. سيقولون ‘كفر’، إذ كيف يحرّم الله على آدم الكتابة وقد علّمه بنفسه الأسماء كلها؟ بلى، فقد علّمه بالقلم بعد أن تاب عليه، رحمة من لدنه، كي لا يتوه في دروبها المتشابكة الملتوية، كما تُهْنا. الكلمات تحدد معرفتنا."
لم يكن يريد أن يضيع في تزاحم الأفكار، بل كان يريد خيطاً يُمسك به ليوصله إلى إجابة على سؤاله الذي أرّقه، الحقيقة. مدّ بصره إلى الغيوم البيضاء فوق رأسه، وأرتد إليه بصره بحيرة أكبر، وشعر أنه يكاد أن يقول ما قاله من قبل إبراهيم {لَئن لم يهدني ربي لأكوننّ من القوم الضالين}، وقد ينقلب في آخر المطاف ليقول "اللهم إني أسلمت وجهي إليك". ألم يكن إبراهيم فيما هو فيه الآن؟ ألم يكن ذلك إقراراً بالعجز وتوفيراً لمشقة السير في طرق الفلسفة المتشابكة المتداخلة؟
عاد إلى مكانه على الصخرة وأغمض عينيه من جديد واستغرق في مناجاة طويلة: "إذن علّم الله بالقلم، وعلّم الإنسان ما لم يعلم. آه، إن الآية لا تقول إن الله علم الإنسان بالقلم، بل تقول {علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم}، فقد علّم بالقلم بشكل مطلق، كل شيء، الإنسان وغيره ربما، لكنه علّم الإنسان ما لم يعلم. أي أن العلوم كانت موجودة قبل أن يعلمها الإنسان. وهل في هذا شك؟ فلو أخذنا علم الفيزياء مثلاً، فإن هذا العلم يكتشف المعلومات التي كانت موجودة ولم يكن الإنسان يعلمها. بالتأكيد، ليس هناك من عاقل يمكن أن يقول إن الجاذبية، أو سرعة الصوت، أو البروتونات والألكترونات، وكل العلاقات بينها لم تكن موجودة قبل أن يكتشفها الإنسان. الإنسان لا يفعل إلا أن يستخرج المعلومات الضامرة وينتقل بها من أصلها إلى تعبيرها اللغوي."
شعر بالدوار وبأنه بدأ في مناجاته يضيع في زحمةٍ من الأفكار، وأراد أن يوجزَ: "هناك في عالمنا البشري نوعان من المعرفة، أمور نعرفها ولا نشك بها وأخرى لا نعرفها أو نشك بها. أو قل إن هناك بديهيات ونظريات. البديهية أمر معروف لا يحتاج أحد إلى إثبات كونه صحيحاً، كأن تقول إن الكل أكبر من الجزء. أما النظرية ففرضية تحتاج إلى إثبات كي نصدّق أنها صحيحة.
المشكلة مع النظريات، كل النظريات، هي أن إثباتها لا بد أن يعتمد على جملةٍ من البديهيات. توقّفْ هنا وفكّرْ بهدوء: نحن نحتاج لإثبات فرضية أو نظرية إلى بديهيات، ولا نحتاج لإثبات بديهية إلى نظرية! ولكن ما هذا الذي تفعله الفلسفة اليوم؟ إنها تريد إثبات البديهيات بنظريات. غريب! أليس كذلك؟"
وشعر بأنه أمسك بخيط من الرجاء، وكأنّ في رأسه مخاض فكرة. ثم تبسّم وقال: "وجدتها. الفكرةُ صياغتها واضحة. إنها تتألف من كلمتين: [النظرية عقيمة]."
وبينما هو في مناجاته أحسّ بحركة غريبة بالقربِ منه وكأنّ أحداً اقتربَ منه، ولم يحسب إلا أن يكون من عالم الغيب، وربما مرّت برأسه وبلمح البصر أفكارٌ لا حصر لها تجسدت في صورة واحدة وهي أنه سيواجه بعد لحظاتٍ موقفاً لا يواجهه كل إنسان، وإنما طائفة صغيرة من بني البشر. وأصابه شيء من الذعر فهبّ واقفاً ليواجه الموقف. التفت إلى الوراء، وصاح مشدوهاً:
– "أمّي!"
وللحظات فكّر إن كان مَن أمامه مَلَكاً جاءه في صورة أمّه، ولكن! لم تكن هيئتها خفيفة وشفافة يتخللها النور، كما كان يتخيّل الملائكة، وإنما كانت هيئة بشرية بكل ملامحها.
كانت أمّه بنظراتها وملابسها التي يعرفها وسلوكها الهجومي وهي تقدم ما لديها من الأفكار، والأوامر، والنصائح، وعبارات التوبيخ، أو الثناء. ولكن كيف جاءت إلى هناك ولماذا؟
لم تُجب بشيء، إنما حدقت في عينيه، وأطالت النظر، ولم يستطع أن يحكم ما إذا كان في نظراتها توبيخ، أو عتاب. وبادرها من جديد:
– "ما الذي جاء بكِ إلى هنا، يا أمي؟" فردّت بنبرة لا يخطئ سامعها أن فيه الكثير من التعنيف:
– "لا يسأل الإبن أمّه مثل هذا السؤال، فهي معه وإن لم يكن هو معها، تعرف به أين هو ،وما به، وعمّ يبحث. أنا التي تسألك: لمَ كتمتَ، ثم سألتَ الأب، والصديق، والغريب، والكتب، والصخور، والتلال، ونسيتَ أن تسأل أمّك؟"
فأجاب بشيء من البلاهة:
– "عن ماذا يا أمّي؟" وصارت نبرة العتاب والتوبيخ في صوتها يشوبها خيط من الغضب وهو يعلو:
– "تبحث عن الحقيقة، لكن غرور الرجل الذي فيك يبعدك عنها بدلاً من أن يقرّبك منها. الحقيقة؟ خُلقتَ فيها، وجئتَ إلى الحياة عبرها، ورحتَ تبحث عنها على هذه الصخور وهي أقرب إليك من حبل الوريد!"
قالت ذلك، وخطت بتؤدةٍ نحو حافة التلة المشرفة على البحر، وتبعها وكأنه خشي عليها من أن تقع. وقفت، وتطلّعت بثقة إلى الأفق، ثم رفعت نظراتها إلى الغيوم في السماء، وبدت ساهمة وهي تنظر في الأمواج الهادئة في البحر من تحت قدميها.
كان ما يزال في حيرة من أمره، ولا يعرف كيف يردّ عليها، ولا يجرؤ على توجيه المزيد من الأسئلة، لكنه اطمأن إلى أنها لا تظن به الظنون فتحسبه عاشقاً يهيم في البراري، وإنما تعرف بأسراره. الصعب في الأمر الآن أنها تعرف به من غير أن تكون قد سألت، ومن غير أن يكون قد أخبرها، والأصعب هو أن يُشركها الآن وعلى حين غرّة في هذا الذي هو فيه. وفاجأته وهي ترتد عن حافة التلة نحو الصخرة التي كان يجلس عليها قائلة:
– " الحق معك. إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل بين رسله إمرأةً واحدة، وليس بين الذين كتبوا في الفلسفة على مرّ العصور ولا إمرأة واحدة. ولعلّ هذا هو ما يجعلك تظن أن هذه الأمور ليست من شأن المرأة …" فقاطعها متوسلاً:
– "لا يا أمّي. حاشا أن أكون قد فكّرت هكذا"، واستطردت هي:
– "ربّنا لم يبعث إمرأة رسولا، لأنه يعرف أن النساء لسن بحاجة ليخبرهن بما يعرفنه حق اليقين. ابحث في العالم كله ولن تجد امرأةً إلا وهي مؤمنة بالله بالفطرة.
إنه يبعث الرسل رجالاً كي يكلّموا الرجال حسب منطقهم، وباللغة التي يفهمونها. ابحث في القرآن الكريم وانظر كم مرة يهدد الله النساء وكم مرة يتوعد الرجال."
وقال بأدب شديد:
– "الحقّ معكِ يا أمّي. الحق معكِ يا أمّي"، واستطردت هي:
– "وكذلك الفلسفة. المرأة لا تثرثر في الفلسفة، بل تعيشها، وفلسفتها طبيعية، ونقية، وتصنع الحياة. لقد قرأتُ على مدى سنوات طويلة ما كتبه عباقرة الرجال، ولم أجدهم يقولون شيئاً لا تعرفه كل أنثى وهي في الثانية عشرة من عمرها .. أن الله منحنا الحياة لنجعلها تتواصل. أم لأنني لا أثرثر، فلم تجدني جديرة بأن تُقحمني في عالم أفكارك؟"
وقاطعها مرة أخرى وهو خجل:
– "هل أسأتُ إليك يا أمّي؟ هل أسأتُ الأدب؟" فهزّت رأسها بالنفي، وأضافت:
– "لا. إنما أنا أمّك. كان رحمي طريقك من ملكوت السماوات إلى هذه الحياة، وكانت ثدياي مصدر زاد الحياة إلى كيانك. ثم رحتَ تبحث عن الحقيقة بعيداً عنهما. إن الله لم يخصني بالرحم والثديين عبثاً. حاشاه، فإنه جعل بينهما سرّ الوجود. هذا السرّ ينتقل من الأم إلى بنتها بلا عناء، وحتى بلا إرادة.
ولكن ومثلما حملتُكَ إلى الحياة وهناً على وهن، وأطعمتك زاد الحياة طوعاً فإني سأجعلك تعود إلى سرّ الوجود …"، فعقّب عليها ونبرة التأثر في كلامه تكاد تتحول إلى بكاء:
– "نعمَ ربّي. ونعمَ أمّي"، فقالت وهي تنهض:
– "أما من طريق تؤدي إلى الماء؟"
حمل متاعه وهو يقول:
– "كيف عرفتِ أني هنا يا أمي؟" فردّت وهي تمسك بيده كما كانت تفعل حين كان طفلاً صغيراً:
– "سأقول لك ذلك .."، والتفتت، ونظرت إلى جبهته المتعرقة، وابتسمت، وأردفت:
– "نسيتَ كل شيء يا ولدي لأنك صرت رجلاً؟ هل نسيتَ أني كنتُ أعرف ما في قلبك بمجرد أن أضع يدي على صدرك الصغير؟" فضحك، ورفع يده،ا وقبّلها، وقال:
– "يا أمّي. لا تؤاخذيني على حماقتي، فأنا أعرف ما أنتِ."
سارا نازلَين مع سفح التلّة عبر حقول التوت البري نحو الماء، وقالت:
– "سبحان الله. انظر. كل هذه الأنواع في مكان واحد"، فرأى كم هي مسرورة وهي تلتقط بعض الثمر. ثم أضافت: "كل هذه السنوات ونحن نأتي إلى هنا في الصيف، ولم أفكّر مرة واحدة في ارتقاء التلّة، واستكشاف ما وراءها"، فضحك وقال:
– "وأجبرتكِ على ذلك اليوم"، فردّت:
– "لكني كنتُ أعرف أنك متعلّق بهذا المكان. والحقّ معك، إنه مكان ساحر الجمال، ويصلحُ للتأمل في جمال الخلق."
وأدّت بهما الطريق المتعرجة النازلة عبر الحقول إلى الشاطئ الشرقي للجزيرة. ولم يكن بين الحقول والماء هناك إلا شريط ضيّق من الأرض الرطبة لا تصلُح للجلوس. فقالت الأمّ:
– "ألا نحاول أن نلتف حول التلة فنصل إلى الجهة الأخرى؟ لقد رأيت من فوق أن بين التلة والماء مساحة واسعة يغطيها الرمل والحصى والصخور."
واستجاب بأن سبقها بخطوة إلى اليسار، وصار يتقدمها في السير. كان، وهو يخطو بحذر، يشعر ببعض الارتياح لأنه صار أكثر قدرة على تركيز أفكاره وظهرهُ إليها، حتى وهما يتجاذبان أطراف الحديث بصورة متقطعة. وحين خرجا من الشريط الطينيّ الضيّق إلى الفسحة الرملية العريضة قالت:
– " أوه، الحمد لله وصلنا، أشعر بالتعب وكأني كنت أرتقي التلة مع أني أنزلها."
– "دعينا نجلس"، قال واتجه نحو صخرتين قريبتين من الماء، وخلع جاكيتته، وفرشها على إحداهما لتجلس أمه عليها، فاعترضت قائلة:
– "البسها فالهواء رطبً. لا أريد لك أن تمرض." وأصّرت على ذلك، فلبسها، فجلسا على الصخرتين العاريتين، وراحا يتطلعان إلى الأمواج، وإلى الزَبَد الذي تدفعه إلى الشاطئ. ثم بادرته الأم:
– "منذ متى وأنت تأتي إلى هنا لوحدك؟" فقال:
– "منذ بضعة أسابيع."
– "وكيف تشعر وأنت هنا لوحدك؟" فقال:
– "بالهدوء والخوف معاً."
– "والآن، كيف تشعر وأنا معك؟" فاضطرب بعض الشيء، وقال:
– "أنت يا أمي .. أنت صلة الوصل بيني وبين الحياة. أنتِ، أنتِ أروع ما في الوجود." فعقّبت بهدوء:
– "لقد اختصرنا الحديث كثيراً إذن. هو ذا ما أريد أن أقوله. أنا، المرأة، صلة الوصل ليس بينك وبين الحياة وحسب، بل وبينك وبين الحقيقة أيضا.
المرأة كانت ذات يوم أمّك. وفي يوم آخر تكون أخرى، غير أمّك"، فقال وهو يتطلّع إلى الحصى من حوله:
– "ماذا تقصدين يا أمي؟" فقالت:
– "هذه هي فلسفة الحياة. يا ولدي إن الله خلق آدم وأسكنه الجنة، ولكنه حتى هناك لم يتركه وحده، بل خلق له من نفسه زوجاً، خلق حواء. بآدمَ وحده ما كانت الحياة الإنسانية لتتواصل"، فقال ونظراته ما تزال متجهة إلى الأرض:
– "ما زلتُ لا أفهم يا أمي ما تقصدينه. ثم ألم تكن جدتنا حواء هي من أخرجت جدنا آدم من الجنة؟"
فقامت من مكانها، وصرخت فيه غاضبةً وهي تشدد على صيغة المثنى:
– "القرآن بين يديك. اِقرأ فيه {فأزلّهما الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه…}. كلاهما زلاّ وليست حواء وحدها، لكن الرجال يحرّفون حتى كلام الله. لماذا؟ لأن الرجل لا يريد أن يقرّ بالحقيقة، ويزعمُ أنه يبحث عن الحقيقة." وصمتت قليلاً ثم التفتت نحو البحر، وقالت:
– "الله علّم آدم الأسماء كلّها، لكن علمَه لم يعصِمهُ من الزلل، ولن يعصِمكَ أنت أيضاً يا إبنه. اِحمد ربّك لأنه خلق معك حوّاء لتتحمل معك أوزار جحودك لنعمة العلم"، والتفتت إليه، وقالت وكأنها تخاطب الطفل فيه:
– "قد تظنّ أنك الآن ترى في البحر والسماء والحقول جمالاً. إنك تخدع نفسك، فأنت لا ترى شيئاً. فقط حين تكون حواء معك سترى كم جميلة هذه الطبيعة التي وهبها لك الله"، فسأل مجدداً:
– "ماذا تقصدين يا أمّي؟" فقالت:
– "لن ترى الله، ولن تعرف الحقيقة طالما لا ترى نفسك أولا، وطالما تأتي إلى هنا وحدك. ستراه، وتعرف الحقيقة حين تكون سويّة معها، لأنها ليست فقط مرأة وإنما أيضاً مرآة ترى فيها نفسك. تعال هنا في المرة القادمة وهي معك. لا تتّبع فلاسفة الرجال"، فأخذ شهقة عميقة، وقال لها، وكأنه يتجنب استلام الرسالة في كلامها:
– "أنلقي بكل ما قالوه في البحر، يا أمّاه؟" فخطت مبتعدة عنه، وسألت:
– "ألا يمكننا أن نواصل سيرنا على هذه الجهة حتى نصل إلى حيث أوقفتَ سيارتك؟" فقال:
– "بلى"، ونهض وتبعها، وحين صار إلى جانبها سألته:
– "لماذا لا يستطيع الطفل أن يعبّر عن كثير من الأفكار كما يستطيع الفتى اليافع؟ ولماذا لا يستطيع هذا أن يعبّر كما يفعل الكبير والشيخ والفيلسوف؟" فأجاب بتواضع:
– "لسببين، أولاً لأن المفردات في لغة الإنسان تكبر مع سنوات حياته، وثانياً لأن عالمه يكبر أيضاً مع السنوات، وتصير عنده تجارب كثيرة، وأفكار عديدة"، فقالت:
– "وأين مكانك بين الطفل والكبير والشيخ؟" فقال:
– "في الوسط"، فقالت:
– "والفيلسوف؟ ما سعة لغته؟" فاحتار كيف يجيب فرسم بحركات يديه بعض الإشارات، ثم قال:
– "لنقل إنه يعرف معظم المفردات في المعجم"، فسألت:
– "لو أراد الفيلسوف أن يكتب كل الكلمات التي في المعجم فكم يحتاج من الحِبر؟" فصمت قليلاً كأنه يحاول أن يقدّر، ثم قال:
– "لنقل عشر لترات"، فاعترضت:
– "بل قُل مئة، أو ألف لتر"، فأراد أن يقول إن ذلك كثير، لكنه لم يكد يفتح فمه حتى بدأت تتلو آية من القرآن {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلامٌ والبحرُ يمدّه من بعدهِ سبعة أبحر ما نفدَتْ كلماتُ الله إن الله عزيز حكيم}، ثم قالت:
– "هل يمكن لمن تنفد كلماته بألف لتر من المداد أن يستوعب عمل من لا تنفد كلماته بعد نفاد ثمانية أبحر من المداد؟"
وأضافت قبل أن يُجيب:
– "هل تعرف يا ولدي أن كلمة بحر هنا لا تعني البحر الواحد، بل كل بحار الأرض؟ فصيغة المفرد في العربية تستخدم أحياناً لوصف الكثرة الكثيرة."
وشعر بأوصاله ترتجف من شدة التأثر، وصمت في تأمّل عميق، لا يَسمح لأية فكرة أخرى أن تقتحم رأسه. ومدّ بصره من فوق كتفها بعيداً، وأغرق نظراته في زرقة البحر، ثم أغمض عينيه وهو يردد: "إني أسلمتُ وجهي لله."
وحين فتح عينيه تلفت مذعورا إلى اليمين والشمال وإلى الوراء وهو يصيح:
– "أمي .. أمي .. أين ذهبتِ يا أمي؟"
كانت التلة إلى اليسار تطمئنه بأنها لا يمكن أن تكون قد ارتقت الجدار، وإلى الوراء كانت الفسحة الواسعة الممتدة تنكر أن تكون قد قطعتها برمشة عين، ولم يبق إلا البحر إلى اليمين يدعوه ليسرع إليه ليرى إن كان قد ابتلعها. وبمجرد أن خطا إليه سمع رنين هاتفه من جيبه، فتذكر أن بإمكانه أن يطلب النجدة. تناول الهاتف، وبمجرد أن فتحه ورفعه إلى أذنه سمع صوتها:
– "أين أنتَ يا ولدي. أنا قلقة عليك!" فردّ مشدوهاً:
– "أمي وأين أنتِ .. ها؟" فأجابت:
– "في البيت"، فصاح:
– "لا. أين انتِ؟"
– "أنا في البيت انتظرك. لماذا تأخرتَ؟" وشعر كمن أفاق من حلم عجيب، ولم يتمالك نفسه فأجهش في البكاء، وظلّت هي تكرر في الهاتف:
– "ما بك يا ولدي؟ يا إلهي ماذا يجري لإبني!" وأجاب عليها أخيراً:
– "لا شيء يا أمي. لقد كنتِ معي قبل قليل. أنا في الطريق إليك يا أمي."
كانت قدماه وهو ينحشر في السيارة ما تزالان ترتجفان، لكنه لم يلبث أن وجد نفسه يخترق حقول الذرة الذهبية.
28/06/2015