البدو والأخلاق الجنسية وحثالات البروليتاريا الرقمية – ج 3
د. عمر ظاهر
في الفترة الأخيرة، وبالتنزامن مع الخراب الذي ألحقه بدول العرب ما يطلق عليه من باب السخرية "الربيع العربي"، وما صاحبه من عنف همجي، واستهتار بالقيم الإنسانية – بمباركة أمريكية إسرائيلية، يُلاحظ انطلاق حملة ثقافية امبريالية صهيونية بشعة ضد العرب تسعى إلى تصويرهم كأمة متخلفة لا تحترم الحياة، وهي لذلك لا تستحق الحياة. ويُلاحظ في هذه الحملة انتشار إطلاق عبارات من قبيل "البدو" و"البداوة" على العرب عامة بشكل لم يسبق له مثيل. إن المستهدف بهذه الحملة هم العرب عامة في حاضرهم، لكن عبارة "البدو" تستخدم للتغطية والتسويغ. …. لا ينبغي للعرب أن يستهينوا بهذه الحملة المسعورة، وعليهم أن يقرؤوا التاريخ جيدا، فأمريكا "المتحضرة" أبادت شعبا من مئتي مليون إنسان (الهنود الحمر) باستخدام نفس الوسيلة القذرة بتصوير الهنود الحمر كشعب بدائي متخلف.
سياسيا، لو سألنا أي إنسان عن تعريف للعصر الذي نعيش فيه فإن الجواب ربما سيكون "إنه العصر الرقمي"، أو "عصر تكنولوجيا المعلومات"، أو "عصر الفضاء،" أو "عصر الشعوب"، إلخ. هل هناك شك في هذا؟ أبدا، لكن هناك أمران بسيطان، الأول أن هذه التعريفات لا تشمل الحقيقة كلها، فهذا العصر هو عصر "داعش" أيضا، وعصر "الحكومة العالمية الخفية"، وفوق هذا وذاك عصر طغيان أكبر وأقدم خرافة في تاريخ البشرية، خرافة أرض الميعاد وإسرائيل الكبرى. أما الأمر الآخر فهو أن المنطقة العربية تعيش أكثر ما تعيش في عصر داعش والخرافة التوراتية.
هذه الخرافة قوية في نفوس الإسرائيليين وعقولهم إلى حد أنهم يعملون ما في جهدهم لتسيير سياسة أقوى دولة في العالم باتجاه تحقيقها. إن أي مراقب للوضع الأمريكي لا يستطيع تجنب الشعور بأن الأمريكان في ورطة فالرئيس الأمريكي يواجه في قرارات بلاده الستراتيجية تحديا من رئيس وزراء إسرائيل. أليس هذا مثيرا للسخرية؟ أمريكا تقرر سياسات عشرات الدول في العالم لكنها تجاهد في سبيل أن لا يقرر سياستها هي رئيس وزراء إسرائيل. هذا العصر هو حقا عصر إسرائيل العنصرية. والخرافة أيضا قوية في نفوس أغلبية كبيرة من المسلمين وفي عقولهم. إنهم ينظرون إلى الطغيان الإسرائيلي باسترخاء شديد، واستسلام للقدر، فالإسرائيليون مكتوب عليهم في نظر هؤلاء{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} (الإسراء: 4)، فإفساد إسرائيل، وعلوّها، وطغيانها أمور يجب أن تتحقق وإلا فإن الشك سيصيبهم في صدق الكتاب المبين. وأي علو يمكن أن يكون أكثر من هذا؟ أقوى دول العالم، أمريكا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، طوع أمر الإسرائيليين؛ بنوك العالم تحت رحمتهم؛ الإعلام العالمي تحت رحمتهم؛ أموال بلدان الخليج العربي تحت تصرفهم وفي خدمتهم؛ وحتى الذين يشكلون تنظيمات وأحزابا سياسية إسلامية يجدون أنفسهم وقد أصبحت إسرائيل صديقتهم العظيمة، ويعيثون في الأرض فسادا، ويطيحون بدول المنطقة، وينشرون الخراب، والدمار والموت، و يبسطون يد الإرهاب ضد العرب والمسلمين، لكن أيديهم مغلولة تجاه إسرائيل. وصار حتى شحاذو العرب يتطلعون إلى يد إسرائيل وهم يدبجون مقالات في ذم العرب والإسلام عسى أن تعطف عليهم إسرائيل ببضعة قروش.
إلى أي شيء يحتاج الإسرائيليون كي تتحقق الخرافة الكبرى، فيعلنوا قيام إسرائيل الكبرى بين الفرات والنيل؟ إلى لا شيء، فإسرائيل الكبرى تفاحة نضجت، وهم يتطلعون بفرح غامر إلى قطفها. هناك عائق واحد وحيد، وهو أن هذه المنطقة ما تزال مسكونة بقوم جبارين، وهم (أي الإسرائيليون) لن يدخلوها حتى يخرج الجبارون منها، وهم (أي الإسرائيليون) واثقون من أنهم سيحققون خروج الجبارين حتى دون أن يسكبوا دمعة واحدة من عيون نسائهم وأطفالهم، فالجبارون يأكلون بعضهم البعض، وما هي إلا غمضة عين حتى ينقرضوا جميعا تاركين الأرض تنادي عليهم أن يأتوا، ويعمروها بالمستوطنات لكل يهود العالم.
وفي هذا لا لوم على أمريكا، بل على العرب أنفسهم. ليس عندنا دليل من مصدر، إنما يجوز لنا أن نستنتج مما نرى أن الكثيرين من ساسة أمريكا مرعوبون من إصرار إسرائيل على تحقيق هذه الخرافة.
ويقينا فإن موافقة أمريكا على الإجماع على تحقيق الاتفاق النووي مع إيران (رغم الهيستيريا الإسرائيلية) تهدف من بين ما تهدف إلى قطع الطريق على مواصلة الإسرائيليين السير نحو هذا السيناريو، سيناريو إسرائيل الكبرى. الأمريكيون ملتزمون بحماية إسرائيل بحدودها الحالية إلا أن مئات الحسابات الأخرى تجعلهم يشمئزون من فكرة إسرائيل كبرى. بالاتفاق النووي مع إيران أصبحت خرافة إسرائيل الكبرى عمليا في خبر كان. لكن إسرائيل لن تستسلم.
فكرة إسرائيل الكبرى تقوم على منح ثلاثين مليون يهودي في العالم مساكن في الأرض الواقعة بين النيل والفرات، باعتبارها أرضهم الموعودة.
وكما نوهنا من قبل فإنها لمفارقة ساخرة أن الإسرائيليين وأغبياء المسلمين متفقون على أن إسرائيل الكبرى ستصبح حقيقة واقعة، الإسرائيليون باعتبار ذلك وعدا، والمسلمون باعتبار أن قيام إسرائيل الكبرى ستكون قمة العلو ونهايته حيث يأتي بعد ذلك {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً} (الإسراء: 5-7).
على أية حال، فباستثناء حزب الله وهو حركة مقاومة إسلامية ذات بعد عربي، متحالفة مع إيران هناك استسلام (ربما متعمد) للخرافة. غريب فهم بعض المسلمين لهذه الآيات. إذا كان علو إسرائيل، وقيام إسرائيل الكبرى قدرا لا بد منه، فمن هم العِبَاد أُولو البَأْسٍ الشَديد الذين جاسُوا خلالَ الدِّيَارِ، ثم سيَدْخُلون المَسْجِدَ كما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ؟ الآيات لا تدعو إلى الاستسلام، بل إلى التهيؤ لمقاومة علو الإسرائيليين.
السعي الإسرائيلي لإبادة سكان المنطقة يسير في خطين متوازيين: خط موجه ضد العرب المسلمين، وآخر موجه إلى الأقليات المتنوعة في هذه المنطقة.
أما بخصوص العرب فالصهيونية تشن حربا شعواء على كل ما هو عربي، دين العرب، وتاريخ العرب، ولغة العرب، ومساهمة العرب في الحضارة الإنسانية، وآثار العرب، ورموز العرب، وأخلاق العرب، بل وحتى تكوين العرب الخَلقي، ناهيك عن ثقافاتهم. الغطاء السياسي هنا هو أن العرب بدو، وقد فعلوا كذا وكذا قبل ألف وأربعمئة سنة. الصهيونية تثير الغثيان في أوروبا منذ سبعة عقود بدعوى تعرض اليهود للهولوكوست الذي راح ضحيته، حسب زعمهم، ستة ملايين يهودي، لاستدرار عطف الناس، ولابتزاز الألمان.
الغريب أن الصهيونية لا تحاول في المنطقة العربية استدرار عواطف الناس على معاناة ستة ملايين إنسان قتلتهم النازية المسيحية في القرن العشرين، بل تحرض على العرب لأنهم سبوا، وفتحوا البلدان قبل أربعة عشر قرنا، والأغرب من ذلك أنها تعامل الإرهابيين، ممن تريد أن تصورهم كبدو ممثلين للعرب، معاملة الأم الرؤوم فتعالج جرحاهم في مستشفياتها مع أنهم يرتكبون فضائع بحق الإنسانية لم يرتكبها حتى النازيون.
اللعبة الصهيونية واضحة تماما، فهؤلاء الإرهابيون الذين يعيثون فسادا في سورية ليسوا من بدو الجزيرة العربية وحدهم، بل هم خليط من ثمانين جنسية بينهم الأفغاني، والتركي، والباكستاني، والأمريكي، والألماني، والشيشاني .. والسوري أيضا. ولكن يجب تصويرهم على أنهم بدو، وعلى أنهم يمثلون العرب.
الإرهابيون في سورية بينهم عرب بدو، لكن لا يفوت أي إنسان ينظر إلى الأمور من كل جوانبها أن يرى أنهم يستهدفون عروبة سورية. سورية هي آخر قلعة صامدة للعروبة، وإسقاطها (لا سامح الله) سيفتح الباب أمام استباحة العرب على امتداد الأرض العربية. وهذا هو هدف إسرائيل وهدف الذين في قلوبهم مرض. الإرهاب ضد الشعبين السوري والعراقي هو إرهاب إسرائيلي بأدوات رخيصة من ثمانين ملة.
أما بخصوص الأقليات غير المسلمة فالإقرار بحق كل كتلة بشرية متجانسة، مهما كان حجمها، في تقرير مصيرها، بما في ذلك الاستقلال عمن حولها، شيء ومنطق الواقع شيء آخر، فقيام الدول ليس بهذه البساطة. الصهيونية ليست غافلة عن الإمكانات الهائلة الموجودة في معاناة الأقليات العرقية، والدينية، والطائفية في العالم العربي، التي يمكن استغلالها لخدمة خرافة إسرائيل الكبرى.
والولايات المتحدة الأمريكية نفسها تعرف بهذه المعاناة، لكنها لم تفعل على مدى قرن كامل شيئا لتغيير الواقع، بل واصلت دعم الأنظمة غير الديمقراطية في المنطقة لاقتضاء مصالحها. هذه الأنظمة لم تكن تبالي بحقوق أحد، لا من الأغلبية ولا من الأقليات.
مع الأسف، بقيت مسألة الأقليات متروكة لتصبح حصان طروادة للإسرائيليين يدخلون به إلى "أرض الميعاد". من جهة أخرى. مع الأسف أيضا، فإن الأقليات في كل مكان وزمان مكتوب عليها أن تعاني من طغيان الأكثرية، المقصود وغير المقصود. دعونا نعطي مثالا واحدا.
في العراق كانت هناك عملية تعريب سخيفة للأكراد في بعض المناطق الشمالية. اليوم يمارس الأكراد أنفسهم، بعد أن صار لهم ما يشبه الدولة، عملية تكريد للأقليات الواقعة تحت هيمنتهم. الأيزيديون وغيرهم لن يكونوا أكثر سعادة ضمن دولة كردية مما كانوا ضمن الدولة العراقية، فهناك التعريب، وهنا التكريد.
موضوع الأغلبية والأقلية مشكلة سامة لا تستطيع حلها بشكل عادل عدالة مطلقة حتى بلدان الديمقراطية الغربية. طبعا، هناك فارق بين أن تكون أقلية في الدنمارك وبين أن تكون أقلية في العراق، أو حديثا في كردستان. المعاناة نسبية، لكنها حقيقية. فما هو الحل؟
لننظر في الواقع. في سورية وحدها، كما يقال، إثنتان وأربعون مجموعة بشرية دينية، وطائفية، وإثنية، ولغوية. في العراق ربما ليس العدد بهذه الضخامة – ثلاثون أو يزيد؟ في الحقيقة لم يكن شيء من معاناة الأقليات تلك قد ظهر على السطح في سورية قبل بدء الأحداث في عام 2011، وفي العراق كانت قضية الأكراد وحدها هي البارزة. أما الآن، فهناك عشرات المنظمات العرقية، والدينية، والطائفية في .. مدينة ديترويت الأمريكية. كلها تعمل بنشاط منقع النظير، في ماذا؟ في الدعوة إلى استقلال هذه الأقلية أو تلك، أو استحصال حق الإدارة الذاتية في سورية والعراق. يعني هناك ثوار تجار (ليسوا بدوا) يديرون ثورات بنفسجية من ديترويت، وهناك قلوب بريئة تنبض لسبعين أو ثمانين دولة مستقلة، أو مناطق حكم ذاتي ستقوم فيما تسمى حتى الآن سورية والعراق! إذا سقطت الدولة السورية.
أي، أن هناك من كان يساند الدولة السورية لتحميه من الإرهابيين، صار اليوم يعقد الآمال على سقوط الدولة السورية للحصول على كيان "مستقل"! يا للضمائر الميتة.
لا نتهم أحدا بشيء، ونكتفي بدعوة أولئك المناضلين في ديترويت إلى أن يأتوا هم، أو يرسلوا أولادهم، إلى سورية والعراق ليشاركوا في تأسيس الدول ومناطق الحكم الذاتي!! ولا يتركوا المهمة غير الشريفة لأولاد "الخايبة" وحدهم.
ولأبناء الأقليات، الذين سيشتموننا حتما، نقول: يا جماعة، على مهلكو! الواقعية ثم الواقعية. من حق وواجب كل مواطن أن يحمل السلاح ضد الإرهابيين، وأن يحلم ويطالب بإصرار، بعد هذا الذي جرى في سورية والعراق، بشكل جديد من الحياة السياسية والعلاقات الاجتماعية في البلدين.
أما فكرة خمس وسبعين دويلة، وإمارة، وفاتيكان، ففكرة جهنمية صهيونية بامتياز، الهدف منها خلق اقتتال في المنطقة لم يسبق له مثيل، ليس فقط قتال الأقليات ضد الأغلبية العربية المطلقة، بل وبين الأقليات أيضا، فمن يتخلص من "ظلم" العرب المسلمين سيقع في "ظلم" أغلبية أخرى تكبر أقليته ببضع مئات من الأشخاص، وعليه أن يقاتلها أيضا.
لكي تقوم دولة جديدة في العالم هناك شرطان: أولا، أن هذه الدولة المقدسة لها مقومات دولة، اقتصادية، وسياسية، واجتماعية؛ وثانيا، إرادة سياسية دولية مقرونة بمصالح الدول الكبرى. في قبرص أقام القبارصة الأتراك (أربعون بالمئة من السكان) دولة عام 1974 اعترفت بها حتى الآن دولة واحدة هي تركيا. في كوسوفو قامت دولة في تسعينيات القرن الماضي، ورغم الدعم الأوروبي لها ما تزال كوسوفو ليست دولة. لماذا؟ الدول الأخرى لا تعترف بدولة جديدة لأنها أعلنت نفسها.
الهند مثلا، لو اعترفت بخمس وسبعين دولة بديلا عن دولتين عضوين في الأمم المتحدة، فإنها تفتح أبواب جهنم على نفسها. في الحقيقة إن أي بلد فيه أقليات لن يمارس النفاق في الاعتراف بدول لأقليات مجهرية في مكان ما من العالم، ويصر على مصادرة حق أقلياته هو في الاستقلال.
الهند فيها أكثر من ثلاثمئة من الأقليات المختلفة. وروسيا، كم أقلية عندها؟ والصين؟ وغيرها؟ حتى بلغاريا، بل حتى بريطانيا، وإسبانيا. هذا إذا لم نتطرق إلى مسألة دولة فلسطين. أم أن من لا يستطيع تحقيق دولة للفلسطينيين عنده من الصفاقة ما يكفي لإقامة دولة لكل خمسة عشر شخصا في سورية أو العراق؟ تجار السياسة هم أخطر أصناف الإرهابيين. إنهم يتاجرون بدماء الأبرياء من أبناء جلدتهم.
ثم إن كون مدينة ديترويت الأمريكية هي "وادي السليكون" الجديد لصناعة الكيانات الكارتونية لا ينبغي له أن يخدع أحدا بأن أمريكا تدعم قيام خمس وسبعين دولة في سورية والعراق.
أمريكا عاجزة حتى الآن عن إعطاء ضوء أخضر للأكراد لإعلان دولة. ومع شديد الأسف، ربما يكون موضوع دولة للأكراد قد تم تأجيله إلى إشعار آخر، أو حفظه في أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية، لأن قيام دولة للأكراد لن يحدث رغما عن تركيا وإيران، وهما دولتان عملاقتان لا يمكن لأحد من صانعي السياسة الدولية تجاهلهما.
وتركيا وإيران قد تختلفان حول أي شيء ما عدا صب الزيت على نار الأقليات. واليوم هناك أرضية أكبر وأوسع للتعاون بين إيران وتركيا.
من يدعم خرافة تقسيم سورية أو العراق إلى خمس وسبعين كيانا هي إسرائيل وحدها لأن هكذا تمزيق يخدم مسألة تحقيق خرافتها عبر جعل الناس تتقاتل، وتبيد بعضها بعضا من أجل أوهام، فلا تحتاج إسرائيل حتى إلى سكب دمعة.
وهناك، أخيرا، حقيقة لا يمكن أن تطمرها الصهيونية حتى لو راكمت جبالا من المفاهيم المقلوبة، وجندت جحافل من مرتزقة الطرابيش من العرب ومثلهم من أحفاد شايلوك، وثوار ديترويت.
هذه الحقيقة هي أن العرب عندهم صراع واحد وحيد هو الصراع مع الصهيونية. ليس هناك صراع حقيقي بين العرب والإيرانيين، ولا بين العرب والأتراك، ولا بين العرب والأكراد، ولا بين العرب والأقليات. وقد تنجح الصهيونية مؤقتا، بفضل مليارات النفط من تيوس الجزيرة العربية، في إشغال العرب عن صراعهم المصيري معها، بخلق صراعات طائفية، ودينية، واختلاق صراعات سفيهة حول التاريخ، وصراعات حول الأخلاق الجنسية، إلا أن كل هذا لن يجدي نفعا، فالصهيونية ستبقى هي العدو الأول والوحيد للعرب، والصهيونية ستخسر هذه الحرب بلا محالة.
العرب هم أقل أمم العالم عنصرية، ليس لأنهم عرق مختلف، بل لأنهم يتصرفون تحت تأثير سايكولوجيا الأمة الكبرى التي لا تعترف بجدية أي تهديد حقيقي لوجودها، فدينها، ولغتها، وثقافتها، وحضارتها راسخة رسوخ الجبال. لكن خرافة إسرائيل الكبرى، وإيغال الصهيونية في دماء أبنائهم، مسلمين وغير مسلمين، ومحاولتها تمزيق هذه الأمة بكل الوسائل، بما فيها استخدام عرب مأجورين، ستؤدي حتما إلى قيام حركة قومية عربية ضاربة تناسب ظروف العصر الرقمي الذي نعيش فيه، فتكتسح الساحة السياسية العربية.
نحن على موعد مع نشوء حركة قومية عربية أصيلة، تضع نفسها فوق الايديولوجيات، وفوق الطوائف، هدفها ضمان بقاء العروبة وملازمتيها الحضاريتين المتجسدتين في إسلام محمد وأهل بيته الكرام وسلام المسيح ابن مريم عليهما السلام، وشعارها أنا عربي ودولتي وحضارتي الإنسانية باقية إلى يوم الدين.