الانقلاب في العراق نتيجة لتناقضين!
بروفيسور كمال مجيد.
في رسالته (( حول التناقض )) اكد ماو ، قائد الثورة الصينية، على أن هناك نوعين من التناقضات في المجتمع. هناك تناقضات رئيسية واخرى ثانوية. وشدد على ضرورة خضوع الثانوية منها الى الاولى. فمثلا ً هناك في العراق تناقض واضح بين العرب والاكراد. وهناك تناقض آخر بين السنة والشيعة واخر بين الشعب والمرجعيات الدينية التي ايدت الاحتلال. هذه كلها تناقضات ثانوية يستغلها المحتل الامريكي لقهر شعبنا ومن الضروري اخضاعها لتناقضين رئيسيين تطورا بعد الاحتلال.
تكون التناقض الاول بين الشعب وامريكا. ومنذ اللحظة الاولى امتاز هذا التناقض بالحرب الاهلية المسلحة وحدثت معارك دامية في تلعفر والفلوجة ومدينة الثورة ومثلث الموت في بابل وزحفت الى النجف والبصرة. كانت امريكا حينذاك تعمل على اخفاء هذا التناقض الرئيسي والادعاء بان المقاومة محصورة في ” المثلث السني”الـ ” الموالي للبعث” وذلك بالرغم من الدور البارز لمقتدى الصدر ضد الاحتلال. عملت امريكا ايضا ًعلى تأجيج الخلاف بين العرب والاكراد و تفتيت العراق بحجة الفيدرالية واستخدامها للضغط على حكومة بغداد وابتزازها.
بعد حكم الاحتلال لـ 16 سنة تخللها حرب طاحنة ضد المعارضين للاحتلال تم قتل اكثر من مليون واصابة الملايين من خيرة اهلنا. وفي نفس الوقت تكون جيل جديد من الشباب لا يعرفون الكثير عن حكم البعث ولا يعلمون لماذا يتم سوقهم، دون ذنب، الى حروب قائمة في حين انهم محرومون من الماء والكهرباء ومجاري المياه القذرة ومن المدارس والمستشفيات ومراكز للعمل لكي ينالوا قوتهم اليومي. هكذا اشتد التناقض بين الشعب المحروم من جهة والحكومة العميلة للاحتلال من الجهة الاخرى. وبالرغم من توزيع الادوار القيادية بين الفاسدين من السنة والشيعة والاكراد ان الحكومة، في المحصلة، ليست محتكرة من قبل مذهب اودين او قومية معينة لأنها حكومة محاصصة. ينال كل عضو فيها ما يستحقه من الرواتب والحراس والرشوات والسرقات والمقاولات ورهط من الموظفين الفضائيين. اما الشعب الذي يكون الطرف المنهوك من التناقض فينال الفقر والحرمان دون تمييز.
بمرور الزمن وتدهور الاوضاع تطور هذا التناقض الى صراع ايجابي فعمت المظاهرات ضد الحكومات المتعاقبة. انها كانت حقا ً ” سلمية ” في البداية ولكنها اشتدت في الغليان الى ان وصلت، ايام حكومة حيدر العبادي، الى مرحلة احتلال البرلمان وتحطيم بعض محتوياته. ادعت اكثر من حكومة بمحاربة الفساد بل حتى تأسيس وزارة من التكنوقراط.. الا ان التناقض الرئيسي استمر في الشدة والاتساع الى ان ظهرت فكرة الثورة على الحكومة.
اما التناقض الرئيسي الآخر فكان بين امريكا وايران ولكن في داخل العراق. لقد بدأ هذا التناقض منذ الثورة العراقية في 14 تموز 1958. اذ خرج العراق من حلف بغداد الذي كان قائما ًمع ايران وبريطانيا وامريكا. فقام شاه ايران باستخدام مرتزقته من الاكراد لاسقاط حكومة عبد الكريم قاسم . لقد حدث ذلك عن طريق التعاون مع حزب البعث في انقلاب 3 شباط 1963. منذ ذلك الحين استمر الشاه واسرائيل وامريكا في استخدام الحزبين الكرديين في محاربة كل الحكومات العراقية المتعاقبة. الا ان الثورة الايرانية سنة 1979 ، قطعت علاقتها مع امريكا واسرائيل وسلمت السفارة الامريكية في طهران الى قادة الثورة الفلسطينية. نجحت امريكا في استغلال الخلافات العراقية الايرانية، القائمة منذ ايام الشاه، لاحداث الحرب بينهما وعززت القوات العراقية بتجهيزها بالاسلحة الكيمياوية والجرثومية. بهذا الخصوص راجع التقريران الرسميان لمجلس الشيوخ الامريكي:
U.S. Chemical and Biological Warfare – Related Dual Use Exports to Iraq and their Possible Impact on the Health Consequences of the Persian Gulf War, Senate Committee on Banking, Housing and Urban Affairs with Respect to Export Administration, Reports of 25/5/1994 and 7/10/1994.
ان استمرار الحرب لمدة طويلة وخسارة الشعبين مليون قتيل وملايين اخرى من الجرحى خلقت حساسية فضيعة بين الشعبين وتكونت نوع من النفرة بين الكثيرين في كلا البلدين. ثم جاءت حرب الكويت و سيطرة امريكا على الخليج والاتفاق مع المعارضة العراقية لاسقاط البعث. نجحت امريكا في كسب حزب الدعوة لابراهيم الجعفري والمجلس الاعلى لباقر الحكيم وامتازت المجموعتان بالتطرف المذهبي وخاصة حين اصدرتا ((بيان الشيعة )) في لندن. وبعد الاحتلال عاد حوالي ربع مليون من ايران الى وطنهم العراقي فتعقدت العلاقات العراقية الايرانية . بعد الحرب ضد داعش نالت المنظمات المنزوية في الحشد شعبية واسعة بعد أن تعززت علاقتها مع ايران التي ساعدتها في الحرب. هكذا ارتفعت سمعة ايران في العراق على حساب امريكا التي اصبحت مكروهة لأنها استخدمت حتى اليورانيوم والاسلحة الكيمياوية لقهر الشعب العراقي.
من الجهة الاخرى اشتدت الخلافات بين ايران وامريكا وخاصة بعد فوز ترامب برئاسة الجمهورية، الذي انسحب من الاتفاقية النووية مع ايران ورفع من حدة الحصار الاقتصادي المزمن عليها. قررت امريكا محاربة التأثير الايراني في العراق عن طريق السماح لاسرائيل بقصف مقرات الحشد الشعبي التي ادعت بأنها مجهزة بالصواريخ الايرانية التي تستطيع ضرب المواقع الاسرائيلية القريبة. واعلاميا ً تمكنت من التطبيل ضد ايران والحاح، دون خجل، بان ايران، وليست امريكا، هي التي تحتل العراق. اما المتقمصين بالموضوعية او الانصاف فيحاولون اقناع البسطاء بأن “الاحتلال من الطرفين” ويستشهدون بقدوم مليون زائر ايراني الى النجف وكربلاء كل سنة.
لقد اشتد هذان التناقضان (التناقض بين الشعب والاحتلال والتناقض بين امريكا وايران) واجبرا امريكا على الاسراع في استخدام سفارتها ومرتزقتها للاستفادة من غضب الشعب ضد الحكومة الفاشلة في تلبية حاجات الشعب وتحويل هذا الغضب، في المظاهرات السلمية الى اصطدامات مسلحة، بغية اسقاط الحكومة القائمة التي اتضحت ابتعادها عن القطب الامريكي حين اتفقت مع الصين.
لقد صرفت امريكا اكثر من 3 ترليون دولار للسيطرة على العراق لتضع يدها على بتروله ولتبني لها قواعد عسكرية ضخمة لمجابهة النفوذ الروسي في ايران وفي المنطقة. اذ هناك، كما هو معروف، تناقض اقتصادي وسياسي وعسكري اهم واشد بين امريكا الهرمة وبين القطب الروسي – الصيني الجديد. ومع اتساع دور ايران في العراق، حيث تتمكن بصواريخها قصف اسرائيل بسهولة، قررت امريكا ان تستغل السخط الشعبي وتثوير الملايين من المحرومين ضد حكومة عادل عبد المهدي بقوة. فمثلا ً :-
تحت عنوان (( معلومات خطيرة جديرة بالاطلاع )) كتب الدكتور عبد الخالق حسين (المعروف بتشجيعه للاحتلال الامريكي في 2003 ) يؤكد على اعلان السفارة الامريكية في بغداد على صفحتها الرسمية فتح باب التوظيف لديها، براتب 47150 دولار سنويا ً، (( استعدادا ً لانشاء اكبر جيش الكتروني يتولى مهمة تثوير الشارع العراقي. )) ويضيف: (( نجحت السفارة الامريكية في بناء جيش الكتروني احترافي تلقى تدريبات مكثفة في اربيل وقبرص … وباشراف شخصي للسفير ماثيو تولر. )) ويقول: (( لم يكن هذا الفريق يعمل منفردا ً، بل هناك تنسيق عالي مع فريق آخر يقوده مسؤول امني عينه حيدر العبادي في 2016 ويعد صديقا ً حميما ً للامريكان في عهد بريمر. )) ثم يشرح: (( بجانب هذين الفريقين نسقت واشنطن بقوة مع منظومة اعلام حزب البعث في الخارج التي يتزعمها القيادي صلاح المختار المقيم في امريكا منذ 2011. وايضا ً مع عبدالله الدوري المقيم في دبي…. وكانت بدايتهما في 2005 بتأسيس (شبكة البصرة الاعلامية) . )) ثم يدون أن ((جهات خارجية عديدة بدأت توسع نشاطها الاعلامي الداعم لتغيير النظام في العراق… فان كل اعداء العراق وجدوا فراغا ً اعلاميا ً فشغلوه وانتحلوا صفة ( صوت الشعب المظلوم) بدء ً من اسرائيل وبريطانيا والسعودية والصرخيين وجهات كثيرة. )) ثم ينشر الدكتور عبد الخالق قائمة طويلة من الصفحات الموجهة ، بينها صفحة شيعة العراق و تلفزيون العراق والبغدادية وصفحة نكت تحشسش وصفحة البصرة و الشرقية وقناة الفلوجة بل وحتى صفحة باسم (مظفر النواب) غدرا ًوبهتانا ً.
ثم وزعت مجموعات الواتس أب ابرز فقرات الانقلاب العسكري الذي قد يتم تنفيذه هذا الشهر وهي:
قتل مقتدى الصدر في الاسبوع الاخير لزيارة الاربعينية. توجيه المندسين في التيار الصدري فورا ً لحمل السلاح وقتل الزوار الايرانيين في (( مقتلة عظيمة)). ضرب مكاتب الحشد الشعبي ومنازل المسؤولين الحكوميين. احتلال وكسر المحال التجارية. مجابهة ايران اذا حاولت التدخل. استدعاء مجلس الامن لاخذ قرار لضرب القوات الايرانية بحجة احتلالها للعراق. قيام جماعات الصرخي واليماني بقتل الشيعة . قيام جهاز مكافحة الارهاب باحتلال المنطقة الخضراء واعتقال المسؤولين الحكوميين. ثم قيام ضباط جهاز مكافحة الارهاب بانقلاب عسكري واعتقال عبد المهدي وايقاف العمل بالدستور. والى آخره. يؤكد ابو وجدي الموسوي من الناصرية على اعلان عصيان مدني ، ترافقه اعمال شغب في الخامس والعشرين من شهر اكتوبر الحالي لتنفيذ هذا الانقلاب. وبالرغم من نجاح او فشل المؤامرة هناك الضرورة لتكوين منظمة جماهيرية واعية ذاة قيادة حكيمة تعمل على طرد المحتلين الامريكيين الذين خربوا كل شيئ في عراقنا المظلوم. والى الامام.
كاتب من العراق
2019-10-20