الإنتماء بالفكر لا بالهوية
عندما طلبت هوية فلسطينية من خليل الوزير (ابو جهاد ) .
كتب ناجي صفا
في العام ١٩٧٨ كنت اعمل في “مركز الدراسات الفلسطينية “، وهو مركز متخصص بالداخل الفلسطيني ( بالبنية السياسية والعسكرية والإجتماعية) للعدو الصهيوني ، كنت يومذاك رئيسا للزاوية السياسية ، او ما يعرف بالقسم السياسي ، كنا نصدر تقريرا شهريا بحوالي ١٢٠ صفحة ، يناقش الابعاد السياسية والعسكرية والإجتماعية لبنية العدو ، وللتطورات السياسية والإستراتيجية .
كان المرحوم خليل الوزير ( ابو جهاد ) يزورنا من حين لآخر ليطلع على التقرير ، وكان كلما فتح التقرير اول ما يواجهه اول اربع او خمس مقالات القسم السياسي ، وكلها كتب ناجي صفا ، باعتبار ان التقرير يبدأ بالقضايا السياسية ثم ينتقل للزوايا الاخرى .
كما هو معروف عن الاخ ابو جهاد انه كان قارئا بامتياز ، كان يقرأ التقرير كاملا من الغلاف الى الغلاف ومن بينها حتما المقالات السياسية .
تكررت الزيارات ومعها تكررت القراءات للمقالات السياسية ،.
ذات يوم اراد التعرف بهذا الكاتب واسمه ناجي صفا الذي يطالعه في كل مرة بمطلع التقرير ، قال لمدير المركز نادي لي ناجي صفا اريد التعرف عليه ، هكذا كان اللقاء الاول بيننا ، جلسنا وتعارفنا ، وتحاورنا ، وتناقشنا ، وفي نهاية اللقاء قال لي اذا احتجت اي امر ابلغني ، قلت اريد هوية فلسطينية ، فوجىء بالطلب، تبسم وقال لي باللهجة الفلسطينية ” اسمع يا خوي ، انت فلسطيني اكثر من الكثير من الفلسطينيين ، وتخدم القضية الفلسطينية اكثر من الكثير منهم ايضا ، نحن نريدك كما انت ، مناضلا وطنيا وقوميا لبنانيا مؤيدا وداعما للقضية الفلسطينية ، فالإنتماء ليس بالهوية وانما بالفكر ، انت فلسطيني بامتياز ” .
نشأت علاقة مودة وثقة بيننا ، كان يسأل عني دائما ، ولاحقا تعمقت العلاقة اكثر وايضا اللقاءات ، عندما تزوجت في العام التالي قدم لي هدية .
عام ١٩٨٢ على اثر قرار الخروج الفلسطيني من لبنان بموجب اتفاق ابو عمار وفيليب حبيب ودعته بعناق حار ، كان وداعا حميما وانسانيا ، قال لي سنلتقي يا اخ ناجي .
بعد ست سنوات ، اي مطلع العام ١٩٨٨ وكانت قد بدأت انتفاضة الحجارة منذ شهر او شهرين ، اتصل بي من تونس ،قال ” هل ما زال ناجي صفا مناضلا ” قلت بالتأكيد ، قال اخترتك لمهمة في باريس على ان تأخذ معك كذا .. وكذا .. وكذا ، وقد سبق ان نشرت ذلك ولا اريد التكرار ،
ذهبت الى باريس وانشئت غرفة عمليات في منطقة تدعى “نوازي لو غراند” في احد ضواحي باريس ، كنت الصلة بينه وبين الإنتفاضة في الارض المحتلة ، وعندما اغتالته اسرائيل عدت الى لبنان .
الآن وانا ارى انتفاضة الشعب الفلسطيني، وارى شلال الدم والشهداء كل يوم يعتصر قلبي على الشهداء كما على فقدان القيادة، ادرك كم نحتاج الى قيادة فاعلة تؤطر هذا العمل النضالي، تبرمجه وتمنهجه، كي لا تذهب التضحيات سدى ، في العام ١٩٨٨ حركت الإنتفاضة الكون كله تضامنا، كان ثمة عمل ممنهج ، بدليل انه بعد اسشهاد ابو جهاد اسقطت الإنتفاضة ، هي التي تفاعل معها الرأي العام العالمي اجمع تقريبا واستبدلت بأوسلو، بات الذين كانوا يطلقون الحجارة على الإسرائيلي حراسا له .
ما اردت تأكيده في مطالعتي هذه هو ما قاله لي الاخ ابو جهاد عام ١٩٧٨ عندما طلبت منه هوية فلسطينية ، ان الإنتماء بالفكر قبل الهوية ، فهل نحتاج الى فحص دم بعض المسؤولين لجدية انتمائهم لهذه القضية ؟؟ ، وهل نحتاج لخليل الوزير آخر لكي يزلزل الأرض تحت اقدام هذا العدو، ويزلزل اركانه، فيعيد تصويب البوصلة تصحيحا للإنحراف ؟؟.
2022-04-20