الإنتلجنسيا و سياسة ” الاستعباد و الاستبعاد “!
علجية عيش*
يشكل الاهتمام بالطاقات البشرية و بلورة الوعي الاجتماعي عاملا حاسما في “التغيير”، فالنخب الثقافية لها دور أساسي في ارتقاء الوعي الاجتماعي و في مسار عملية التطور و التقدم، و في التأثير على نهج “السلطة” و تغيير نظامها من أجل تكريس الديمقراطية، و تحقيق هذا المطلب مرتبط بمدى إسهام النخب الثقافية و انخراطها في الحياة السياسية العامة و نضالها من أجل التغيير، حيث آن الأوان لهذه النخب أن تفرض وجودها كـ: “طليعة” لا كـ: “نخبة”، لأن النخبة تفصل نفسها عن غيرها من شرائح المجتمع، بينما الطليعة مسؤولة لأنها منبثقة من معاناة
يربط البعض و بخاصة الطبقة المثقفة فكرة ” الإنتلجنسيا” بما يدور و يجري في الحياة السياسية و الاقتصادية و المشاركة في جهود التنمية الشاملة و المستدامة في إطار إستراتيجية الحكم الراشد، و لهذا غالبا ما يصطدم رجل السياسة مع رجل الاقتصاد، كون الاثنان يحرصان على أن يكون لهما رأي و حضور في قضايا الشأن العام، و أن يكون رأيه هو الغالب و صوته هو المسموع، ولذا يقع الاثنان في صراع، و هذا الصراع قد يعمق الفجوة بين الشعب و السلطة ، لأن المسألة تتعلق بالكفاءات و المهارات و الترحيب بأصحابها، و ربما هذه هي أولى الأسباب في تفشي البيروقراطية في مختلف مجالات الحياة، ليس في الإدارة وحدها أو المؤسسات الاقتصادية فقط و إنما في المدرسة و المستشفى و حتى داخل الأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسة سياسية ، فالبيروقراطية مثلا عمدت إلى قتل الكفاءات و المواهب و اعترضت طريقهم، و الذين اطلق عليهم اسم الإنتلجنسيا و هو طبقة من المثقفين ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مارست النقد الفكري للأوضاع القائمة، ورفضت النظام القائم، لأن من يعملون على تكريس البيروقراطية لا يقبلون دخول العناصر الكفؤة الواعية و النظيفة داخل صفوفها، و عادة ما تكون النتيجة “الإقصاء” و هو مصطلح مألوف و متداول لدى العام و الخاص، ولكن الخبراء أعطوه مفهوما خاصا و هو “الاستبعاد”، و هو مفهوم أوسع من الإقصاء، حيث يكون الشخص موجودا و غير موجود في نفس الوقت.
فمهما حاول الإنسان أن يفرض وجوده و قدراته فهو يظل نكرة بالنسبة للجماعة التي علمت على إبعاده، و هذا النوع من الممارسات له أبعاد سلبية، قد تؤثر على شخصية الفرد المستبعد و تجعل منه رجل سلبي، وفيما يبقى البعض منهم منغلقون على ذواتهم باسم “الانضباط”، بحيث يعيشون الأحداث داخل جماعة أو مؤسسة و لا يساهمون فيها، ترفض فئة من الناس فكرة الاستسلام، و تواصل طريقها لزرع أفكارها و إثبات وجودها سياسيا، من هذا المنطلق ظهرت “الإنتلجنسيا” ، أو كما اطلق عليها اسم “النخبة” أو “الصفوة”، إذ يقال أنها طبقة من المثقفين المنفردين في المزايا و الصفات و الخصوصيات، حيث ينطبق هذا المفهوم على المثقف الثوري، باعتباره حاملا للوعي، فمن مهام الإنتلجنسيا خلق أو ابتكار أفكار و نظريات أي العمل الذهني لحل المشكلات التي يغرق فيها المجتمع و تؤثر فيه ، إلا أن الطبقة المثقفة وجدت نفسها محاصرة من قبل السلطة، التي رأت فيها الخطر بأنها سوف تحل مكانها و تنتزع منها القيادة ، لأنها استطاعت التأثير في الجماهير، فكان مصيرها الإقصاء بدلا من أن تكون موضع استقطاب للاستفادة من أفكارها، و من هذا المنطلق ظهر ما سمي بـ: “هجرة العقول” إلي الخارج.
الحقيقة أن مفهوم الاستبعاد و الاستقطاب أخذ حيزا كبيرا لدى الخبراء في الاقتصاد و السياسة و أعطوه أبعادا واسعة، و رأى البعض أن هذين المفهومين و مفاهيم أخري كالإقصاء و الإقالة تدعو إلى طرح مفهوم النضال السياسي و الثقافي في إطار رؤية مشتركة لها دلالة سياسية اقتصادية ثقافية، و لكن تدخل الثقافة في هذين المجالين من شأنها أن تضع الصيغة الملائمة لإيجاد حل لهذه المعضلة على الصعيدين السياسي و الاقتصادي، فالخبراء في الاقتصاد مثلا وضعوا قانونا خاصا يلزم الشركاء في مؤسسة ما تطبيقه و العمل به حتى تكون العلاقات بينهما متكافئة، تؤمّن مصلحة الطرفين بالمقدار نفسه، حيث لا يوجد لا رابح و لا خاسر في أية عملية يقومون بها، طالما الهدف هو خدمة المصلحة العامة، غير أن الواقع أثبت أن هذا المفهوم لم يستخدم بالشكل الذي وضع من أجله، و إن كان قانون الاستقطاب كما يقول الخبراء يؤكد أن الطرف الأقوى سيزداد قوة و يمتص تلك القوة من الطرف الأضعف الذي بدوره يزداد ضعفا و تبعية للأول، فمثلا في الجزائر تعتمد السلطات العليا في مشاريعها على استقطاب الخبرات الأجنبية و اليد العاملة الأجنبية، يزداد الشريك الأجنبي قوّة، لسبب من الأسباب مثل نقص الخبرات بالنسبة لليد العاملة المحلية التي تجد نفسها مستبعدة.
الأمثلة كثيرة تتعلق باستغلال الطاقات البشرية و بعقود مؤقتة، و ما إن تنتهي مدة العقد تجد هذه الطاقات نفسها مستبعدة، من هذا المنطلق يتحدد دور التنمية الاجتماعية في إحداث التوازن بين التنمية السياسية و التنمية الاقتصادية، كما يتحدد مفهوم الاستبعاد و الاستقطاب فيهما و الكيفية التي يكون فيها الاستقطاب فاعلا في جميع الحالات و المجالات، و يعني هذا أن جلب الجديد لا يعني التخلي عن القديم، أو أن يجلس أصحاب المال على كرسي أصحاب الكفاءات و المهارات، مثلما يحدث في بعض الأحزاب السياسية التي أغراها المال و باعت مناضليها ، من أجل كُمْشَة من المال دون معرفة مصدرها، و كيف تحصل عليها صاحبها، فأبعدت إطاراتها و مناضليها الذين ساهموا في وضع أسس الحزب، و رشحت كفة “الكَمّ” على “الكيفِ” ، فكان مصيرها الانشقاق و الانقسام، لأنها بكل بساطة لم تعمل على إنتاج علاقات ديمقراطية حقيقية مثلما أشار إلى ذلك حسن قرنفل في كتابه “المجتمع المدني و النخبة السياسية إقصاء أم تكامل”.
السؤال الذي يلح على الطرح أي طريق يجب أن نسلكه لتحقيق تنمية شاملة؟ فالكثير من يعتقد أن التنمية الاقتصادية تعني كثرة المشاريع و الإنجازات و تجده يقدم أرقاما خيالية حول عدد الكيلومترات التي فتحت من الطرقات و عدد المباني و الهياكل التي شيدت، و ..و..الخ، و قد تذهلك الأموال التي أنفقت على هذه المشاريع، و نسمع كذلك عن وجود فائض في الحساب الإداري خلال مناقشة الميزانية على مستوى المجالس المنتخبة ، في حين توجد مشاريع معطلة و متوقفة لسنوات بحجة وجود خلل في الدراسة التقنية، أو تماطل على مستوى لجنة الصفقات العمومية و غيرها من الأمثلة، في الوقت نفسه يعتقد البعض أن التنمية السياسية هي تكاثر الأحزاب أو جمع عدد كبير من المناضلين، ولكنهم تجاهلوا أن التنمية الحقيقية هي الاستثمار في العنصر البشري، و غالبا ما يسبب تنافر المفاهيم هدرا كبيرا في الطاقات و الإمكانات البشرية، لأن العديد من الناس من لا يفرق بين التنمية الاقتصادية و التنمية السياسية و التنمية الاجتماعية.
و إن كانت التنمية الاقتصادية تعني إقامة المشاريع في مختلف القطاعات من أجل تلبية احتياجات المواطن و تحقيق له الاكتفاء الذاتي و الحد من عمليات الاستيراد للمواد و السلع من الخارج، و تحقيق إنتاج محلي، و تشجيع اليد العاملة، و منح الفرص للشباب للاستثمار بدون خلق عراقيل بيروقراطية أو استعمال الجهوية و المحسوبية و الرشوة ، فإن التنمية الاجتماعية فهي تعني اتخاذ التدابير التي تسمح بتحسين مستوى حياة الناس و مشاركتهم في الحياة السياسية و الديمقراطية و في اتخاذ القرارات و تنفيذها، و ضمان الحياة و الحرية للجميع في التعبير و ابداء الراي و تكافؤ الفرص، و يرى البعض أن التنمية الاجتماعية تتوقف على توزيع الدخل الوطني بين جميع الطبقات والأفراد، خلاصة القول أن كل الفاعلين في هذه الحقول لهم مسؤولية مشتركة في تحقيق التنمية، لكن غياب هذه العناصر تولد عنه صراعات و أمراض اجتماعية و هدر كبير في الطاقات البشرية ( هجرة الأدمغة) فكم من طبيب و كم عالم و مفكر ” مُهَجَّرٌ “، لأنه غاير منظومة القيم التي وضعتها النخبة الحاكمة و وقف ضدها، و طالب بتغييرها، لا لشيء، إلا لأنها لا تتماشى مع القيم الوطنية و مبادئ الدين الحنيف، مثلما هو الشأن بالنسبة لمسألة استيراد الخمر، الذي يضرب السيادة الوطنية، و مثل الكشف عن بارونات المخدرات و من وراء اختطاف الأطفال و اغتصابهم و قتلهم، و جميع المتورطين في قضايا الفساد.
الجزائر
2025-01-20
