الإمبراطورية الأمريكية «المعسكرة» .. إلى أين؟

د. محمد عبدالشفيع عيسى
الحقّ أن التاريخ البشرى خير مرشد لما نصبو إليه من كبد الحقيقة. فماذا يقول التاريخ..؟ يقول التاريخ ما يفيد بأن الامبراطورية الأمريكية، وإن ارتفع طائرها، إلا أنه يمكن أن يقع (يسقط) فى وقت ما فى المستقبل المرئى على كل حال.
فلماذا نرنو بالبصر والبصيرة إلى إمكان وقوع (الطائر الحزين) فى وقت ليس ببعيد..؟
هذا لأن التاريخ البشرى الحيّ يدلنا على أن جدلية (المدنى العسكري) تتيح لنا أن نعرف ما لا نعرف. ولما كانت (أمريكا) منذ صعودها المدوَّى كقوة (عظمى) بعد 1945 ثم (قوة عظمى وحيدة) بعد 1990، قد ارتكز عمادها على ديناميكية القوة العسكرية بصفة أساسية، وارتكز اقتصادها القوى على القطاع العسكرى ممثلاً فى الصناعة الحربية، وفى مهماز الإنفاق المتعاظم على التسلح، ومن ثم تفعيل «مضاعف» تحريك النشاط الاقتصادى وتشغيل دورة الدخل القومى (الإنفاق -الناتج – الدخل – الاستهلاك -الاستثمار).
وبرغم أن الاقتصاد الأمريكى يتبع (السياسة) فى دورات متتابعة غير متماثلة بالضرورة، إلا أنه، وإن ذهب فى اتجاه تغليب «المدنى» على «العسكرى»، مؤقتًا ونسبيًا، فى فترة معينة، فإنه سرعان ما يعود راجعًا إلى «العسكرة» كمحرك للطلب الفعلى الكلى للاقتصاد، اعتمادًا على قوة «الاحتكارات» بصفة أساسية. و لعل هذا ما قصده الرئيس الأمريكى الأسبق «أيزنهاور» فى «خطاب الوداع» فى 17 يناير 1961، حين ذكّر بأن الخطر الرئيسى على أمريكا يكمن فى هيمنة «المجمّع الصناعى العسكرى». وما ذلك إلا تذكير بالعنصر الماثل فى تشابك الشركات الكبرى مع ديناميكية القطاع العسكرى. ولعل هذا ما قصد إليه – من الناحية «الفكرية» ـ بعض الباحثين الكبار، حين أكدوا أن قوة توليد (الفائض الاقتصادى) فى أمريكا تستند إلى تبديد هذا الفائض بالذات، على التسلح والإعلانات وما إليها: (بول باران وبول سويزى فى كتابهما المشترك: «رأس المال الاحتكارى»).
والخلاصة من الأمر أن هيمنة أمريكا على السياسة العالمية، بصفة عامة، بعد 1945، خاصة بعد 1990، تقوم على العسكرة militarism قبل كل شىء. وهذا ما يمكن أن نعبر عنه بأن الإمبراطورية الأمريكية ـ على حدّ تعبير «كلود جوليان» فى كتابه المعنون كذلك – هى امبراطورية معسكرة فى الأساس militarized empire.
ونعود إلى التاريخ كما بدأنا، لنعرف أن طغيان «العسكرى» على «المدنى»، وهيمنة القطاع الحربى على القطاعات الأخرى هو – فى الأغلب – سرّ تدهور الإمبراطوريات والأمم والدول والمالك على اختلافها.
ولنأخذ مثالاً من العالم القديم؛ من اليونان القديمة (الإغريق). فقد ظلت «أثينا» مركزًا للنتاج الثقافى الفلسفى والحضارى، قرونًا، بينما انحدرت (اسبرطة) – المنافس العنيد ـ ولم تخلّف حضارة تذكر برغم قوتها العسكرية. وخذْ مثالاً ساطعًا من العصر الوسيط الإسلامي. فبرغم النواقص والثغرات والعثرات، بقيت (الدول) الإسلامية المتتابعة، منارات تعلو وقد تخبو، ثم تعود لتعلو وتخبو، فى كل من الشرق والغرب الإسلاميين والأندلس، ولكنها ظلت على الدوام دليلاً على القوة، وقدرة الانتشار، طالما سيطر (مدنيوّها) على العسكر، ثم انقلبت لتصير دليلاً على التدهور حين تغلب العسكر على (المدنيين) إن صح التعبير.
هكذا، وبصورة عامة، كانت (الدول الإسلامية) قوة متوهجة، فى ظل حكم (الخلفاء الراشدين) ثم (الأمويين) برغم التحفظات، والعصر العباسى الأول.
ولكن ما أن دخلت العناصر القادمة من أقصى شرق آسيا ووسطها، فى رقعة مجزّأة مشرقًا ومغربًا وأندلسًا، حتى جرى ما جرى، للعباسيين والفاطميين والأندلسيين. وبلغ الأمر مداه بسقوط الأندلس بين أيدى «فرناندو» و«إيزابيلا» فى غرناطة عام 1495، ثم ليبدأ عصر جديد، تتسيّد فيه أوروبا.
وتقضى الحقيقة هنا أن نذكر أن الأتراك العثمانيين نهضوا منذ سيطرتهم على عاصمة الدولة البيزنطية – القسطنطينية – عام 1453، ودافعوا عن (بيضة الإسلام)، إن صحّ التعبير؛ حتى نخر السوس فى الجسد الكبير المترهل، وخاصة فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مع تغلغل العسكر فى الحكم والاقتصاد. ولم يقدر لهؤلاء العسكر أن يقفوا ندًّا لندّ أمام (عسكر) أوروبا القادمين من إسبانيا والبرتغال خاصة، ثم النمسا وفرنسا وغيرهما، فكان ما كان من هبوط الدول العربية الإسلامية، واحدة بعد الأخرى، بينما قامت أوروبا قومة لم تهبط بعدها حتى الآن.
وقد حدث النهوض الاقتصادى الأوروبى، انتقالاً من الإقطاع للرأسمالية الناشئة، القائمة على الزراعة والتجارة، فى القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى رأسمالية الصناعة فى القرن التاسع عشر، ثم الرأسمالية التكنولوجية فى القرنين العشرين والحادى والعشرين. ولعله حين تمازج الاقتصاد بالقوة البحرية فقد صار الأوروبيون سادة العالم، خاصة من خلال ثنائى (بريطانيا – فرنسا) إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.
نرى كل ذلك من وحى التاريخ الماضى، لنعود إلى المعاصر والحاضر ثم الوقت الحالى، فنقول إن الإمبراطورية الأمريكية (المعسكرة)، ينخر السوس فى جسدها المترهل، فيصعب أن تدوم طويلا.!
ذلك ما أردنا أن نعيد التذكير به هنا، وهو أن هذه الإمبراطورية الأمريكية ربما تأخذ طريقها للهبوط المتسارع، انطلاقًا من هيمنة (العسكرى) على (المدنى) ومن هيمنة قوة الحرب على قدرة السلام المنتج.
2025-08-12