الإسلام السياسي في شمال إفريقيا بعد انتخابات المغرب المحلية
د. أعلية العلاني
استغرب المحللون من النتائج الكبيرة التي حصل عليه حزب العدالة والتنمية بالمغرب المحسوب على تيار الإسلام السياسي في الانتخابات البلدية المحلية يوم 4 سبتمبر 2015.
فهل ستعيد هذه الانتخابات لتيار الإسلام السياسي بريقه في شمال إفريقيا والمنطقة العربية؟
أم ستورطه في دهاليز الحكم التي لها أحيانا مفاجآتها غير السارة؟ وأخيرا هل أن تجربة الحزب الإسلامي حزب العدالة والتنمية في المغرب تبقى تجربة محلية غير قابلة للتصدير؟
نتائج متوقعة في محيط إقليمي مضطرب :
لا شك أن ضعف الإقبال على التصويت في المدن الكبرى (28 % في الدار البيضاء كمثال) خدم كثيرا أجندة حزب العدالة والتنمية، لأن للحزب قاعدة قارة تصوت لصالحه مهما كانت أخطاءه في التسيير. كما أن المعارضة الليبرالية واليسارية كانت منقسمة وشعبوية في خطابها وبعضها مورط في الفساد.
ويمكن القول أن الشعب المغربي أصبح أكثر حساسية لمسألة الفساد بعد بروز عدة قضايا في المحاكم على السطح.
لكن هل صوت الشعب لصالح حزب العدالة والتنمية لأنه إسلامي المرجعية نكالة ( تصويت عقوبة) في الذين لم يوفوا بوعودهم في الانتخابات السابقة؟
والحقيقة أن هذا الحزب مازال يتلمس طريقه نحو التموقع في المجالس الجهوية والمحلية التي تتطلب خبرة ومجهودا مضاعفا لتحسين الخدمات، ونحن نعرف أن عددا هاما من القائمات الفائزة للعدالة والتنمية بها بعض الشخصيات وإنما تستعمل غطاء الحزب للفوز بمقاعد في هذه المجالس.
وبالتالي فبقدر الابتهاج الذي عم صفوف الحزب عقب صدور النتائج، بقدر ما أصبحت المسؤولية ثقيلة وخطيرة لأن تكرار الأخطاء السابقة لمن فشلوا في الانتخابات سيحكم على الحزب بتقلص قاعدته الانتخابية، ولعل الحصان الذي يراهن عليه العدالة والتنمية هو الحد من ظاهرة الفساد وتقديم أفضل الخدمات في المرحلة القادمة مستفيدا من وجوده في الحكم المركزي والمحلي، فهل تدرك بقية الأحزاب الليبرالية واليسارية أن مفتاح النجاح سهل وهو العمل الميداني (القرب من الناس والإنصات لمشاغلهم) والخدمات الجيدة، وعدم التنكر للوعود الانتخابية.
مستقبل الإسلام السياسي في المغرب وشمال افريقيا :
لا شك أن نسخة الإسلام السياسي في المغرب تتسم بخصوصيتها عن التجارب الإخوانية في العالم العربي. فهل يمكن استنساخ التجربة المغربية في بلدان أخرى.
وهل يمكن لبن كيران الصمود طويلا أمام التداعيات الإقليمية المعادية لتيار الإسلام السياسي.
يجدر التذكير أن حزب العدالة والتنمية رغم تبنيه المرجعية الإسلامية فإنه عرف كيف يحافظ على استقلالية الحزب تنظيميا وفكريا عن التنظيم الدولي للإخوان وفي لقاءاتي العديدة بقادة الحزب ومنهم السيد بن كيران قبل الربيع العربي كانوا يلحون على أن لا رابطة تجمعهم بالإخوان المسلمين، وأن التقارب عاطفي لا تنظيمي.
كما لا ننسي أن هذا الحزب فصل منذ سنوات بين الوظيفة السياسية والدعوية على عكس ما نجده لدى معظم الأحزاب الإخوانية في العالم العربي ومنها تونس بالإضافة إلى أن العدالة والتنمية لم يرتكب الأخطاء القاتلة التي ارتكبها الإخوان في مصر وتونس مثلا عندما تسربوا إلى المؤسسة الأمنية ووظفوا المساجد والجمعيات الخيرية والدعوية، وجندوا آلاف الشباب للذهاب إلى المحرقة السورية باسم الجهاد، وهللوا بقرب إقامة الخلافة (مثل مداخلة حمادي الجبالي أول رئيس حكومة لحركة النهضة في تونس في أكتوبر 2011).
أما الاختلاف الأهم بين إخوان مصر وتونس وعدة بلدان مع إسلاميي المغرب فهو أن حزب بن كيران قبل بعد نجاحه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بأن لا ينازع الملك في وظيفته الدينية كأمير للمؤمنين وأن لا يتسلم وزارة الدفاع ووزارة الداخلية أي أنه حاول التنافس مع الأحزاب الأخرى على قاعدة البرامج في حين اشتعلت حرب الهويات في الأحزاب الإسلامية في تونس ومصر وليبيا وكل بلدان الربيع العربي وأدت إلى تقسيم المجتمع بين إسلاميين وعلمانيين ودعمت التيارات الإرهابية وخربت اقتصاد بلدانها.
لكن هذا لا يحجب عنا الأخطاء التي وقع فيها حزب العدالة والتنمية في الحكم وهو ما سنتناوله في مقال آخر.
لكن يمكن التأكيد أنه من الصعب تصدير التجربة المغربية إلى بلدان عربية أخرى وأعتقد أن هناك 3 أطراف ستستفيد من هذه الانتخابات.
أولا : الملك الذي مازال يمسك بخيوط اللعبة رغم النتائج الكبيرة لحزب العدالة والتنمية في البرلمان والبلديات ويعود ذلك إلى الإصلاحات الدستورية التي كانت أفضل مما حصل في بلدان الربيع العربي.
ثانيا: المعارضة الليبرالية واليسارية التي ستمتص الصدمة لتعيد ترتيب أوراقها وإستراتيجيتها وهي قادرة على الانتصار من جديد.
ثالثا: تيار الإسلام السياسي في المغرب الذي سيتجه نحو مزيد من العلمنة والتخلي عن دغدغة المشاعر الدينية وهو يعرف أنه لا يستطيع أن ينازع الملك في وظيفته الدينية وبالتالي سيلجأ ضمنيا إلى تكريس فكرة عدم توظيف الدين في السياسة.
أما تيار الإسلام السياسي خارج المغرب فعليه أن يدرك أن مرحلة تسييس الدين انتهت بعد فشل تجربته في الحكم وعليه أن يخلع عباءة الإخوان فكرا وتنظيما.
21-09-2015