الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الرابع)!
غانية ملحيس*
-(الجزء الرابع)
فلسطين: من “القضية” إلى الاختبار البنيوي للنظام السياسي العالمي
انطلقت الأجزاء الثلاثة السابقة من تفكيك الإبادة الحديثة بوصفها نتاجا بنيويا لتحولات عميقة في مفهوم السياسة، واللغة، والإنسان نفسه، ومنظومة حكم، لا انفجار عنف، وآلية نزع سياسة، وليس انحرافًا أخلاقيًا. فقد أظهر الجزء الأول كيف أُعيد تنظيم العنف داخل الحداثة السياسية ليصبح قابلا للإدارة، لا للمنع. وكشف الجزء الثاني أن نزع السياسة – أي إفراغ الصراع من معناه وتحويل الحكم إلى إدارة – هو الشرط الصامت الذي يجعل هذا العنف ممكنا. بينما بيّن الجزء الثالث أن اللغة الإنسانية المعاصرة لا تكتفي بوصف الإبادة، بل تُسهم في تطبيعها، وتأجيل تسميتها، وإعادة إدماجها في النظام الأخلاقي العالمي.
يأتي هذا الجزء ليضع هذه الأطروحات في مواجهة اختبارها الأكثر كثافة.
أولا: من تفكك المفاهيم إلى انكشاف البنية
فلسطين. ليست تطبيقا لنظرية جاهزة، بل الموقع الذي تتعرّى فيه النظرية نفسها، والحيّز الذي تتقاطع فيه كل هذه التحولات دفعة واحدة، وبأعلى درجات الوضوح. والمكان الذي لم تعد فيه الإبادة حدثا صادما، ولا نزع السياسة إجراء مؤقتا، ولا الإنسانية خطابا مُربكا، بل تحوّلت جميعها إلى نظام عمل مستقر. وهنا تكمن فرادتها: ليست في خصوصيتها، بل في كونها الحالة التي يفشل فيها النظام العالمي في إخفاء ذاته خلف لغته.
في فلسطين، يتعذّر فصل القانون عن الاستثناء، والإنسانية عن العنف، والسياسة عن إدارتها. ولهذا لا يمكن مقاربتها إلا بوصفها اختبارا بنيويا للنظام السياسي العالمي المعاصر (112)، اختبارا لما تبقّى من مفاهيم السيادة، والحقوق، والإنسانية، حين تُواجه إبادة مُدارة بلا انقطاع (113)، ومُبرَّرة بلا توقف، ومُحتواة أخلاقيا بلا نهاية ( 114) ) .
ثانيا: فلسطين ونزع السياسة الممنهج
منذ نشأة السياسة الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، جرى التعامل مع فلسطين خارج إطار السياسة الطبيعية. لم يعترف بالفلسطينيين بوصفهم شعبا صاحب سيادة، بل كـ “مشكلة”، أو “سكان”، أو “طوائف” أو “لاجئين” (115) هذا التوصيف ليس لغويا فحسب، بل بنيوي: إنه يخرج الفلسطيني من حقل الحقوق السياسية، ويضعه في حقل الإدارة الدولية (116)
بهذا الإخراج، يصبح العنف الواقع عليه غير قابل للمساءلة السياسية الكاملة. فحين لا توجد ذات سياسية واضحة، لا توجد جريمة سياسية، بل “أحداث” و” جولات” و” تصعيد” (117)، وهنا تتجسد وظيفة نزع السياسة بأوضح صورها.
ثالثا: الاستثناء الدائم: فلسطين كمنطقة معلّقة
تُدار فلسطين ضمن حالة استثناء دائم، لكنها ليست استثناء موقتا كما في النظرية الكلاسيكية، بل استثناء مؤسَّس (118). القوانين تُطبّق وتُعلّق في آن واحد، بحسب مقتضيات السيطرة. الحقوق تُعترف بها نظريا وتُفرغ عمليا (119 ).
هذا الاستثناء ليس فراغا قانونيا، بل نظام حكم. فالقانون لا يُلغى، بل يُستخدم لتبرير الإلغاء (120). وهنا تلتقي فلسطين مباشرة مع تحليل أغامبين. الحياة تُترك بلا حماية قانونية كاملة، لكنها تظل خاضعة للسيادة بأقصى درجاتها (121).
تتجاوز قضية الاستثناء القانوني مجرد الإطار النظري لتصبح آلية عملية لإدارة السكان، كما يتضح في فلسطين.
رابعا: الاستثناء الدائم وإدارة الفائض البشري
للمزيد اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/91271
يتبع
6/2/2026