بين معارفي القدامى امرأة أوروبية. كانت إنسانة لطيفة، تعرف عدة لغات، وتجيد إعداد وجبات شهية من الطعام، وتهتم بعملها وبأطفالها اهتماما كبيرا، ولديها قدرة فائقة على تدبير أمور حياتها باستقلالية كبيرة.
كانت تعيش في انسجام كبير مع المجتمع من حولها. وكان لحياتها جانب خفي – لا تخفيه هي، بل لأن أحدا لا يعيره أي اهتمام، فهو جانب عادي، فيبقى خفيا بالنسبة إلى من حولها. بالنسبة إلي أيضا هو جانب عادي، ولولا نشوء بعض التناقضات في الحياة الاجتماعية أمام عيني لما خطر ببالي أن أخرج ذلك الجانب إلى العلن، وأحشره في مقالة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى صرف الوقت في دراسة ظاهرة ركوع أطفال المسلمين عند قدمي بابا الفاتيكان، ويا للمفارقة، في تزامن مع انعقاد المؤتمر “الإسلامي” في اسطنبول.
صاحبتي تلك (وصاحبة هنا تعني فقط الإنسانة التي تدور عنها المقالة) لها أربعة أطفال، ثلاث بنات وصبي. الخافي من أمرهم هو أنهم ليسوا من أب واحد. أما الطفلة الأولى فأنجبتها من رجل عاشت معه لسنوات بلا زواج رسمي. وكذلك الثانية، من رجل آخر.
وبعد إنجاب البنتين اكتشفت صاحبتي أن لديها ميولا مثلية، فهجرت الرجال، وتفرغت فترة من الزمن لإمرأة مثلها. ثم اكتشفت أن تلك كانت مجرد نزوة لا تفضي إلى شيء، وسرعان ما تعرفت إلى رجل، وقررت هذه المرة أن تتزوج زواجا حقيقيا، أي بعقد رسمي. أنجبت البنت الثالثة.
كانت وزوجها يعيشان حياة سعيدة، لا ينقصها إلا أن تنجب صبيا – تلك كانت أمنية الزوج. ولم يبخل عليهما رب العالمين بذلك الصبي أيضا، إذ وضعته في يوم اعتبره الزوج أسعد أيام الله، فبكى، وهو يحمل الصبي، ويدور به في أرجاء البيت، ثم يحلق بفرحه عاليا خاشعا للرب.
لم يكن يعرف أن بكاءه سيطول، فقد صعقته صاحبتي بعد بضعة أيام من وضع الصبي، وبكل برود أعصاب، بخبر مفجع، فالصبي ليس ابنه، وزادت الفاجعة حين عرف الزوج أن أب الصبي زميل لهما في العمل.
وليس هذا وحسب، بل طلبت المخلوقة منه الطلاق، وبعد فترة تزوجت بأبي الصبي الحقيقي.
بعد الطلاق بقوا جميعا، هي، والزوج المفجوع، وأبو الصبي يعملون في نفس المكان، ولم تسجل بينهم أية سلوكات عدائية. بالتأكيد فإن الزوج المنكوب حزن شديد الحزن، وما حصل له لاحقا بسبب الحزن لا يعنينا.
صدقوني، وبأمانة أني لم أصدر أي حكم على صاحبتي لسلوكها هذا، فحياتها الخاصة لا تخص إلا من تعنيهم، ولا يمكن أن تؤثر على حياتها العامة، العمل مثلا، وعلى علاقاتها الاجتماعية.
إنما تأملت في أمرها فقط، وفقط قبل اسبوعين حين أعلن ما يشبه حالة استنفار في صفوف الشرطة هنا في الدنمارك إثر انفجار قنبلة إعلامية حول شاب سوري طالب للجوء في البلد متزوج بطالبة لجوء، سورية أيضا. اختفيا عن الأنظار، وراحت الشرطة تبحث عنهما، وتصدّر خبرهما صفحات الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي.
بدا أمر إلقاء القبض على الشابين وكأنه أصبح قضية تتعلق بالأمن الوطني، وكأنهما إرهابيان. لماذا؟ لأن الفتاة تبلغ من العمر سبع عشرة سنة فقط، وفي هذه السن تعتبر قاصرا، وزواجها غير قانوني. إنهما خارجان على القانون، ومطلوبان للعدالة، ويجب القبض عليهما، وتطليقهما، وإعادة كل منهما إلى معسكره، الشاب إلى معسكر طالبي اللجوء، والفتاة إلى معسكر طالبات اللجوء.
تم إلقاء القبض عليهما في آخر المطاف، وأخذ القانون مجراه.
في نفس هذا الوقت من العام الفائت كنت أعيش حالة غضب عارم لقيام البرلمان العراقي بمناقشة مشروع قانون يجيز تزويج الإناث في عمر التاسعة.
وفي الوقت نفسه كان الإعلام في العالم كله ينقل أخبار رجم فتاة في أفغانستان حتى الموت لأنها أقامت علاقة (لا نعرف طبيعتها) مع شاب خارج إطار الزواج.
بصراحة، فإن مثل هذه التناقضات المذهلة في الموقف من العلاقة بين الذكر والأنثى، في القانون بشكل خاص، تذكر بما أطلق عليها عالم الاجتماع العراقي المرحوم علي الوردي عبارة “مهزلة العقل البشري”. ربما سنفهم فيما يأتي لمَ هذا الموقف وذاك، إلا أن هذا لن يُخرج الموضوع عن إطار المهزلة المأساوية حتى وإن تبين أن الموقف من زواج الشابين تعبير عن صراع ثقافي بين الغرب “المتحرر” والشرق الغارق في “مستنقع” الشرف حتى أذنيه.
في شرقنا الإسلامي هناك غموض غريب حول موقفنا من العلاقة بين الذكر والأنثى، فنحن نحارب الحب، والإعجاب والانجذاب بين مخلوقين قال عنهما ربهما أنه جعل بينهما مودة ورحمة. نحارب الحب مع أننا نعرف أن عبارة “مودة” مرادفة للحب، فالله يريدنا أن نحب.
أما الرحمة التي وضعها الله بين الجنسين فنحاربها بقسوة شيطانية باسم الإسلام.
وفي الوقت نفسه عندنا نزعة واضحة إلى شرعنة اغتصاب الأطفال وجعله قانونيا، بحيث أن هذه الشرعنة تتحول إلى مشروع قانون أمام برلمان “إسلامي”.
وفي الحقيقة فإن تمرير أو عدم تمرير مشروع القانون لا يغير شيئا في جوهر الأمر، فهناك نزعة همجية تدعمها تفسيرات، وفتاوى، وتخريجات دينية. وهذه الهمجية تمارس على أرض الواقع حتى بدون وجود غطاء قانوني.
المسألة هي أن هناك من يريد تثبيت حق الاغتصاب على الورق لأن الورقة تضفي سحرا وشرعية على كل شيء، حتى على الاغتصاب.
الورقة السحرية هي الحد الفاصل بين ما هو مباح وما هو غير مباح، فالورقة تبيح دخول الرجل في طفلة عمرها تسع سنوات، وغياب الورقة يمنع اقتراب الذكر من الأنثى حتى لو كانا تجاوزا سن الرشد.
لماذا الورقة سحرية عند المسلمين إلى هذا الحد؟ يقال إن الورقة شهادة اجتماعية رسمية تضمن للمرأة حقوقها – أي الإعالة والنفقة، وتحافظ على صحة النسل وعدم اختلاطه، أي أننا نعرف أن هذا ابن فلان.
سؤال يحير العقل هنا. ألا يمكن أن تتزحزح هذه المبادئ قليلا، مثلا إذا أصبحت المرأة قادرة على إعالة نفسها؟ وفي عصر صار ممكنا عن طريق فحص (الدي إن أي) الكشف حتى الانتماء العرقي للإنسان رجعيا إلى آلاف السنين؟
ثم، على أي شيء يستندون في تحديد هذه السن، تسع سنوات؟ اجتهاد ربما مضى عليه مئات السنين، يقرر سن النضوج الجسدي للأنثى، ويحولها إلى مجرد “شيء” مهمته إشباع الرغبات الجنسية للرجل. بطبيعة الحال، فإن النضوج الفكري، والتعليم، والاستعداد النفسي، وحقوق الطفولة، والمسؤولية التي تقع على عاتق الأنثى كزوجة وأم، أمور لا تناقش هنا طالما أن هناك اجتهادا وشخصا مؤمنا بهذا الاجتهاد وصل إلى مركز وزير العدل في دولة تعيش في القرن الواحد والعشرين.
في الحقيقة إن خفض سن زواج الأنثى إلى تسع سنوات هو محاولة في منتهى الخبث للابقاء على تبريرات منطق الإعالة والنفقة، فعندما تتزوج البنت في هذه السن، وحتى في سن أكبر، قبل الحصول على التعليم الكافي، ومقومات الاسهام في الاقتصاد، فإنها تبقى بحاجة إلى الإعالة وإلى النفقة في حال هجرها زوجها. شيوخ الإسلام لا يريدون أن يحصل ما يلغي سريان المنطق الذي يجعل الورقة سحرية.
نفهم أن الخيانة الزوجية – كونها خيانة – تطيح بمبدأ أخلاقي، وأن المعني بها ليس الزوج والزوجة وحدهما، بل وأسرتاهما والمجتمع كله، فبأي شيء تطيح علاقة جنسية أو غير جنسية بين شاب وشابة غير مرتبطين بأحد، بل ويريدان الارتباط ببعضهما، ويستعجلان الوصل قليلا قبل استصدار الورقة؟ وإذا كان لمثل هذا الاستعجال أن يعاقب، فهل يجب أن تكون العقوبة قاسية إلى حد القتل رجما؟
بالمناسبة، نحن نقرأ القرآن، فلا نجد فيه ذكرا للرجم كعقوبة في الإسلام. كل السياقات التي وردت فيها كلمة “رجم” في القرآن كعقوبة هي سياقات يهدد فيها الكفرة الظالمون المؤمنين، مثلا في أهل شعيب وإبراهيم، وغيرهما. لا عقوبة رجم في القرآن من مسلم لأحد.
إن الرجم كعقوبة أمر ابتدعه شياطين الجن الذين تقمصوا شخصيات رجال دين في الإسلام انتقاما لرجم الشيطان في موسم الحج!
أم أن العلاقة دون ورقة، مهما كانت، تنتهك حقا من حقوق الله؟
في الدنمارك، وغيرها من البلدان الأوروبية، خاصة الاسكندنافية منها والشرقية (لأن علاقات أخرى تسود في جنوب أوروبا، مثل اسبانيا وإيطاليا) فإن الورقة ليس لها أي سحر، لكن العمر له قدسية واضحة كقدسية الاقتصاد الرأسمالي. سن الزواج هنا هو ضعف التسع سنوات. لكن هنا تقع العلاقات الجنسية بين الشباب في سن تقل كثيرا عن الثامنة عشرة – بلا ورقة.
وجود شباب وشابات في أوروبا ليس لديهم تجربة جنسية رغم تجاوزهم سن الثامنة عشرة ليس ظاهرة غريبة، لكن القاعدة هي أن سن العلاقات الجنسية تبدأ في مرحلة الدراسة الثانوية – بحدود السادسة عشرة، وفي حالات كثيرة قبل ذلك. هناك قانون يمنع معاشرة القاصرات، ولكنه قانون يسري على ما يبدو على البالغين، ومع هذا يحدث ذلك، أي يعاشر كثير من البالغين القاصرات، ولا يعاقبون إلا في حال حصول مشاكل وشكاوى. مثلا تم قبل بضع سنوات تجريد سياسي دنماركي من عضوية البرلمان لأنه تمشكل نتيجة إيوائه فتاة في الخامسة عشرة من عمرها في شقته، وممارسة الجنس معها – برضاها.
القانون موجود، ولكن حتى في مدارس الأطفال – بين الصف الرابع والتاسع، هناك مواد للتربية الجنسية، وتعليمات للمراهقين حول كيفية استخدام موانع الحمل، وكيفية اختيار الوقت المناسب لممارسة الجنس، بحيث يتوفر في المكان الأمان والهدوء، وتنعدم المنغصات، مثلا أن يطرق أحدهم على الباب في ذروة انهماك الاثنين في علاقتهما. القيود القانونية موجودة، لكن على أرض الواقع فإن العلاقات الجنسية لا يتحكم في مداها إلا من يعنيهم الأمر. شيء واحد يكون فيه القانون حديا وقطعيا؛ إنه يرفض تسجيل العلاقة كزواج قبل سن الثامنة عشرة، لإن ذلك هو الكفر بعينه.
لماذا؟ لأن الثامنة عشرة هي السن التي يصبح فيها الشخص، ذكرا كان أو أنثى، مستقلا، ويعامل كوحدة اجتماعية واقتصادية مستقلة. الزواج يعني تحمل المسؤولية التي يتحملها من بلغ سن الرشد، ويعني أيضا الكفالة الاقتصادية المتبادلة بين الزوجين، أي إذا كان أحد الزوجين يعمل فإن عليه أن يعيل الآخر، ويريح الدولة من عناء التكفل به. وفيما يتعلق بالضرائب المدفوعة للدولة فإن الزوجين يعتبران أيضا وحدة اقتصادية يؤثر وضع أحدهما على وضع الآخر.
ومن الناحية الاجتماعية ففي الزواج لا وجود لمفهوم “الوكيل” الذي يقوم بتزويج بنت لم تبلغ سن الرشد لكونه وصيا عليها كأب، أو غير ذلك، رغم أن مفهوم الوصاية موجود، وينطبق في حالات الرعاية والإرث. الزواج قرار يتخذه عن نفسه شخص بلغ سن الرشد. أما العلاقة الجنسية فلا ترتبط بالزواج، ولا تؤدي بالضرورة إليه. إنها من مباهج الحياة المتاحة للجميع بتوفر الرغبة المشتركة.
إذن، هنا العلاقة الجنسية بين غير البالغين سن الرشد مسموح بها، ولا يعار لها أي اهتمام – ويشمل هذا حتى الفتى السوري والفتاة السورية. أما الزواج فغير مسموح به لهما إلا عند السن المقدسة.
إننا نتحدث في الواقع عن أصولية جنسية. نعم إنها أصولية جنسية تماما مثل الأصولية الدينية، سواء كان الموقف من الجنس والزواج في بلد مثل العراق الذي قد يبيح زواج طفلة في سن التاسعة، أو أفغانستان حيث يعاقب بالرجم “مرتكب” الصداقة، مجرد الصداقة، أو الحب “العذري” بين شاب وشابة تجاوزا سن الرشد، أو كان ذلك في بلد أوروبي مثل الدنمارك يمارس حساسية مفرطة من الزواج دون السن المقدسة، الثامنة عشرة.
في المجتمع الإنساني، على المرء أن يبحث وراء الظواهر دائما عن أصولها العملية، خاصة الاقتصادية، ومن ثم السياسية، وليس الأخلاقية. في حالة الشابين السوريين في الدنمارك، فإن الزواج خروج على القانون، ليس فقط من جهة سن الرشد، بل لسبب عملي، وهو أن حصول أحدهما على اللجوء سيمنحه حق جمع شمل رفيقه لكونهما متزوجين. وهو من الكوابيس التي تؤرق ليل السياسيين الدنماركيين في هذه الأيام. إنهم يريدون تقليل عدد اللاجئين. ولو تساهلوا في موضوع الزواج بهذا الشكل فإنه سوف يستخدم كوسيلة لمضاعفة عدد من يحصلون على اللجوء أوتوماتيكيا – والقانون هنا قاطع كحد السيف. وهكذا كان دائما، ولكن الجديد هو هذا البعد السياسي والاعلامي الذي يغطي “مخالفة” القانون.
الآن تكتسب مفاهيم الأصولية الجنسية الأوروبية طابعا سياسيا كونها تعارض مفاهيم “العدو” الإسلامي! تلك المفاهيم التي تبدو في جوانبها المتطرفة – السن المنخفضة للزواج، والزواج من أكثر من امرأة في وقت واحد، همجية قياسا إلى “العقلانية” في ربط الزواج بسن الرشد، وليس بالعلاقة الجنسية، والاكتفاء بواحدة.
إن إخراج قصة الزواج بين الشابين السوريين إلى العلن، وإشغال الناس بها هو محط تساؤل. إذ ما قيمة هذا الزواج قانونيا وما عواقبه لجمع الشمل طالما أن مكاتب الزواج الدنماركية الرسمية لن تقبل أصلا بتسجيله دون توفر شرط تحقق سن الرشد؟ ماذا يضر السلطات أن يكون شخصان (أحدهما دون الثامنة عشرة قليلا) متزوجين وفق قانون غير دنماركي، أو أن يعلنا زواجهما هنا فيعيشا مثلهما مثل مئات الآلاف من الشباب طالما ليس هناك علاقة زواج تستوفي شروط الزواج القانونية الدنماركية – ورقة، يستند عليها أي منهما في طلب جمع شمله مع الآخر إن حصل أحدهما على حق اللجوء؟ لماذا استنفار الشرطة، والإصرار على تطليقهما؟
إنها الأصولية الجنسية، ثم الرغبة الواضحة في إظهار الاختلاف الحضاري والثقافي “بيننا” و”بينهم”، فنحن متحضرون لا نقبل زواج القاصر (حتى لو كان عمرها سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة أسابيع وستة أيام). وهم مسلمون يضطهدون المرأة، فيتزوجونها قبل سن الثامنة عشرة، أو يسمحون للرجل أن تكون له أكثر من إمرأة في نفس الوقت.
لا نعتقد أن الزواج بأربع نساء، أو حتى ثلاث، أو حتى اثنتين ظاهرة شائعة في العالم الإسلامي لأن إعالة أكثر من زوجة أمر لا تقدر عليه الأغلبية الفقيرة من المسلمين حتى لو سمح الشرع بذلك. وكذلك فإن معاشرة أكثر من إمرأة واحدة (أو حتى رجل واحد) في الوقت نفسه ليس ظاهرة غريبة في المجتمعات الغربية مع أن القانون يمنع التزوج بأكثر من واحدة أو واحد.
مع هذا يبقى الزواج بأربع نساء، رغم انعدام القيمة الإحصائية للظاهرة، عارا يلاحق المرأة المسلمة، والرجل المسلم، والإسلام نفسه. ولا تنفع لمحو هذا العار أية محاججة. الغرب يعتبر أصوليته الجنسية، رغم علاتها، مقياسا للرقي الاجتماعي والثقافي، واحترام مكانة المرأة، وإزالة أي أثر للعبودية، وثقافة الحريم – رغم أن صناعة الأفلام الإباحية، مثلا، وهي من ابتكارات الرأسمالية، هي أكبر حط من كرامة المرأة في التاريخ الإنساني كله، واستغلال رسمي وقانوني لها للأغراض التجارية البشعة. وعلى هذا المقياس يجري تقريع متواصل للإسلام باعتباره متخلفا، يكرس عبودية المرأة عبر الاقرار بحق الرجل في التزوج من أربع نساء في وقت واحد.
ربما، نقول ربما، يكون عدد المسلمين المتزوجين من أكثر من إمرأة في أوروبا أكبر من عددهم في البلدان العربية مجتمعة، رغم أنف القوانين – منهن أوروبيات يقبلن العيش كزوجة ثانية قناعة منهن بأن ذلك جزء من الإسلام الذي يدخلن فيه.
مثل هذه الزيجات ممكنة هنا، حيث يجري “تسجيل” الزواج عند شيخ أو “إمام”، وليس لدى مكاتب الزواج الرسمية. ثم إن المرأة هنا تتمتع بوضع اقتصادي، يجعلها تستغني عن الإعالة والنفقة في حال تركها “بعلها”.
وحتى عند حصول حمل وولادة فإمكان الأم تسجيل الوليد باسمها دون الافصاح عمن هو الأب. بمعنى أن المسلمين ينافقون نفاقا شديدا بخصوص أصوليتهم، والأوروبيون ينافقون فلا يبالون بتعدد الزوجات طالما هو غير مسجل رسميا.
إن التمييز الحضاري والثقافي على أساس مؤسسة الزواج هو بحد ذاته أسلوب منافق يتجاهل الكثير من المعرفة عن ثقافات الشعوب، وعن تاريخ الشعوب، وعن الأسس الاقتصادية لأية ثقافة أو حضارة كانت، وتتجاهل الواقع في كل ثقافة، الواقع الذي لا يتطابق دائما مع القوانين السائدة، بل بالعكس تماما.
القانون لا يوضع عادة إلا إذا وجدت ظاهرة غير مرغوب فيها يراد ضبطها، أو الحد من انتشارها، فمنع الزواج بأكثر من إمرأة في الغرب أساسه شيوع حالة المعاشرة الجنسية المتزامنة لأكثر من إمرأة من قبل الرجال، ومعاشرة أكثر من رجل من قبل النساء – أي وجود شكل بارز من أشكال المشاعية الجنسية.
وقانون وحدانية الزواج مقصود منه ضبط التبعات الاقتصادية لظاهرة المشاعية، لا غير، إذ لا يراقب وجودها مع عدم تسجيل الزواج رسميا.
الاقتصاد هو غالبا القوة الفاعلة وراء سن القوانين!! على سبيل المثال، لا الحصر، فإن قانون المساعدات الاجتماعية للمواطنين لم يكن حتى قبل بضع سنوات يربط الوضع الاقتصادي لإمرأة ورجل ببعضهما إلا إذا كان متزوجين بعقد رسمي، فالذي له مورد من الطرفين ليس مسؤولا عن إعالة الآخر إن لم يكونا متزوجين – الدولة هي المسؤولة. وهذا شجع مئات الآلاف من الشباب على العيش معا في مسكن واحد، وإنجاب الأطفال دون الدخول في علاقة زواج رسمية.
الآن يحتم شيوع حالة العيش المشترك بلا زواج رسمي تغيير القانون لضبط التبعات الاقتصادية لهذه الحالة، لذلك لم تعد الدولة تأخذ بالاعتبار كون الشخصين متزوجين رسميا كي تربط وضعهما ببعض، إذ يكفي كونهما يعيشان في مسكن واحد ليتحملا مسؤولية الإعالة المتبادلة، ولهذا نرى أن سببا مهما من أسباب عدم الدخول في علاقة زواج رسمي سيختفي.
تلك هي حركة المجتمع، تتغير الثقافة مع تغير القاعدة المادية، الاقتصادية أولا، ثم السياسية، وتلك هي الحال أيضا مع تعدد الزوجات.
وفي الحقيقة فإن واقع العلاقات الجنسية في العالمين الإسلامي وغير الإسلامي لا يمكن قياسه بما ينص عليه القانون، أو يفصّله الشرع، أو بما تضبطه العقوبات. ويبدو أن هذا الواقع يختلف فقط في طريقة تصنيفه بين “سوي مقبول، و”غير سوي” مرفوض.
في العالم الإسلامي تعتبر كل علاقة بين الذكر والأنثى خارج إطار الورقة السحرية غير سوية. وكل ما توفر الورقة السحرية غطاء له يعتبر سويا.
وتسود هنا، على عكس المشاعية الجنسية الغربية، حالة من الأنانية الجنسية الفوضوية، إذ تجتهد الفئات المختلفة من المسلمين في كيفية توسيع سلطة الورقة كل فئة لصالحها.
بعضهم، الأغنياء ومنهم شيوخ الولائم، يوسع هذا السلطة بجعلها تبيح مثنى وثلاث ورباع – وما ملكت أيمانهم. وبعضهم يوسع السلطة بالتوسع في أعمار الإناث المتاحات له، فينقص عمر سريان الورقة حتى التاسعة.
وبعضهم يتفنن في استحداث أشكال وأصناف من الزواج لا تعد ولا تحصى، تغطيها الورقة، وتجعل الجنس متاحا للرجل في كل لحظة وفي كل مكان – حتى أنه يقال أن هناك في بلد إسلامي مواخير يدخل فيها الرجل فيوقّع على عقد زواج مع من سيعاشرها، وعند خروجه يوقع على ورقة تطليقها، فيصبح الزنا حلالا لأنه يستوفي شروط عقد النكاح الصالح.
وفي الواقع فإن هذه الأشكال والأصناف التي ما أنزل الله بها من سلطان تجعل الجنس مباحا للمرأة أيضا، وحلالا أيضا. كل المواقف المتشددة من العلاقة بين الذكر والأنثى في الإسلام نفاق محض.
أما في الغرب فلا يمكن حتى إشعار آخر لا توسيع سلطة الورقة، ولا التلاعب بقدسية السن، لا في مكاتب الزواج الرسمية، ولا في المواخير.
ولكن لا نستبعد أبدا، إذا اقتضت الظروف الاقتصادية، أن يجري تقليص الهوة بين القانون الوضعي الأوروبي والشريعة الإسلامية التي يتميز الغرب بحساسية مفرطة تجاهها لأن هذه الشريعة تعتبر في نظره مصدرا لنشر الشذوذ الجنسي، فالزواج بالقاصر والزواج بأربع شذوذ، لا غير.
إن القانون الذي يمنع الزواج بأكثر من واحدة لكونه شذوذا، يبيح في الوقت نفسه أشكالا من العلاقات التي تعتبر في المقاييس الإسلامية شذوذا، بل ويتيح تسجيلها رسميا كعلاقة زواج أو تعايش، مثلا زواج المثليين.
في المحصلة كل شعوب الأرض، وليس فقط المسلمة والأوروبية، تمارس كل ما يمكن تخيله من أشكال العلاقات الجنسية تحت مسميات مختلفة، وفي الوقت نفسه تمارس كل أمة أصولية جنسية مقيتة على طريقتها، وتعتبر أصوليتها هي القانون وهي الحضارة، وهي الأقرب إلى الفطرة الإنسانية.
ما يخص الغرب الرأسمالي فإن نقيضه وعدوه الثقافي هو الإسلام فقط. لم نسمع في يوم من الأيام أحدا يضع الثقافات الصينية، أو الهندية، مثلا، في مواجهة القيم الأوروبية.
نورد مثلا واحدا فقط من الصين، فهناك طوائف صينية يتقاسم فيها أولاد العائلة الواحدة، بصرف النظر عن عددهم وسنهم، زوجة واحدة، بهدف الحفاظ على ثروة العائلة – منتهى الظرافة، أليس كذلك؟
فقد تصبح الفتاة عروسا في عائلة فيها أربعة شباب، ثم تلد أمهم صبيا خامسا، تكون الفتاة زوجة له أيضا – حين يبلغ السن القانونية!