انتزعت القيادات الوطنية الأردنية، في سياق الصراع على نتائج وترتيبات الحرب العالمية الأولى، الأردن والجولان وجنوب الليطاني من وعد بلفور، في مؤتمر امكيس 2-5 أيلول 1920، فقد جاء المؤتمر في خضم حركة شعبية احتجاجية ضد وعد بلفور، فأول مظاهرة في العالم ضد وعد بلفور نظمت في السلط في أيلول 1919، وأول برقية احتجاج ضد وعد بلفور وصلت إلى لندن من الطفيلة في ذات الشهر.
وعلى الرغم من أن موازين القوى كانت لصالح بريطانيا المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، إلا أن الآباء نجحوا في استثناء الأردن والقنيطرة وجنوب الليطاني من وعد بلفور، دون أن يتنازلوا ويتخلوا عن دعم الشعب الفلسطيني، فقد كانت الحملات العسكرية الثلاث الأولى التي تلت مؤتمر أمكيس، موجهة لاسترداد الجولان ومنطقة جنوب الليطاني من الفرنسيين، ومهاجمة المستوطنات في فلسطين.
وقد جاءت تطورات القضية الفلسطينية لتكشف عمق التضارب بين تصور عبد الله الأول للدولة الأردنية، باعتبارها غنيمة حرب مستحقة له، لقاء تحالفه مع بريطانيا في الحرب العالمية الأولى والموافقة على إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وبين تصور الشعب الأردني وفكرته عن دولته، باعتبارها رافعة لاستقلاله وتحرره، وصيغة تنظيمية لتطوير قدراته وتمكينه من التحديث والتقدم، وتعبير عن قيمه العليا وخدمة لها.
ففي الوقت الذي سعى فيه عبد الله الاول إلى ترسيخ حكمه عبر الانقلاب على مخرجات مؤتمر امكيس، والتحالف مع الحركة الصهيونية وتقديم تسهيلات لها، في اللقاء الذي جمعه -وبحضور والده الحسين بن علي- مع وفد الحركة الصهيونية في عمان، عام 1923، كان الشعب الأردني ونخبه السياسية يتبنون موقفاً حاسماً يدعم نضالات الشعب الفلسطيني من أجل التحرر والاستقلال.
ثورة عام 1936، عمقت ووسعت وأظهرت الفجوة بين رؤية عبد الله الأول للدولة الأردنية، وبين رؤية الشعب الأردني لدولته. ففي الوقت الذي استضاف الشعب الأردني المتطوعين العرب ورفدهم بالمزيد من المتطوعين الأردنيين، تعاون عبد الله مع الحركة الصهيونية وحاول إعاقة حركة المتطوعين العرب عبر الأردن، كما قام بشكل مباشر بتفكيك وحدة الشعب الفلسطيني وحركته السياسية بتشجيع وتمويل الانشقاقات عن القيادة الموحدة للشعب الفلسطيني.
وأدى انقسام الموقف الشعبي الأردني الداعم لنضال الشعب الفلسطيني، عن موقف عبد الله الأول وحواشيه المتعاون مع الحركة الصهيونية، إلى ظهور فكرة العمل الفصائلي (المعزول عن الدولة) الساعي لدعم نضال الشعب الفلسطيني ليس عبر مؤسسات الدولة، ولكن عبر عمل سري فصائلي عائداته محدودة، وكلفة عالية. فسُجلت الكثير من التضحيات والمواقف البطولية، ولكن بتأثير محدود على الساحة الفلسطينية وبكلفة عالية جداً على الأردن والشعب الأردني والقضية الفلسطينية، وأكبر هذه الكلف وأخطرها تمثلت في تراجع “أولوية المشروع الوطني الأردني” في صراع الأردنيين بكل أصولهم مع الملك وعائلته حول الأردن.
وبالرغم من بداهة ووضوح الفكرة القائلة: أن الذي ينهي توظيف أدوات السلطة في الأردن لصالح إسرائيل وضد الشعب الفلسطيني، هو استرداد الشعب الأردني بكل مكوناته لدولته سلطة وموارد، إلا ان هذا لم يؤد إلى نشوء برنامج نضالي وطني واضح لتحرير الأردن من المستبد الفاسد وعائلته على أساس أولويات وطنية وشعبية أردنية. وظل سياق النضال الفلسطيني مهيمناً لسنوات طويلة، على أولوية تطوير برنامج وطني أردني يخدم القضية الوطنية الأردنية التي تتلخص في “قيام عائلة بسرقة دولة من شعبها”.
وانطلاقاً من المبدأ الاستراتيجي القاضي بتركيز الجهد على الجبهة التي يخاض النضال عليها، وأمام المشهد القاتم في كل من فلسطين والأردن، فإن على الحراك الشعبي الوطني الأردني تصعيد المواجهة مع الملك وعائلته، في سياق برنامج ديمقراطي وطني أردني، لتمكين الشعب الأردني بكل مكوناته من استرداد الدولة الأردنية سلطة وموارد. وهذا من شأنه أن يغير قواعد الصراع وموازين القوى، ويحرم إسرائيل مما يقدمه لها الملك وعائلته، ويعزز نضال الشعب الفلسطيني بدعم حقيقي عبر مؤسسات الدولة الأردنية.
والمطلوب ليس صيغة فصائلية للعمل عبر الأردن، إنما برنامج وطني يتم إنفاذه عبر مؤسسات الدولة وضمن آليات وضوابط ومحددات عملها، وبالاعتماد الكامل على قواعد الشرعية الديمقراطية لصناعة القرار. فالدولة الأردنية “بعد استردادها من المستبد الفاسد وعائلته”، ستتبنى الوسائل المشروعة دولياً، لدعم نضال الشعب الفلسطيني، وتمكينه من نيل حقوقه المقرة في القانون الدولي والشرعية الدولية.
وعليه فإن الهدف الأساسي لحركة التحرر الوطني الأردنية هو؛ تمكين شعبنا بكل مكوناته من استرداد دولته سلطة وموارد، وبناء دولته الحقيقية التي ستكون في خدمة مصالحة، وتعبيراً عن قيمه العليا ومن ضمنها دعم نضال الشعب الفلسطيني. فالدعم الفعال الذي من شانه تعديل موازين القوى لصالح نضال الشعب الفلسطيني يجب أن يكون عبر مؤسسات الدولة الأردنية الحقيقية، وليس عبر فصيل تطارده مؤسسات الدولة الأردنية. فالدولة الحقيقية سوف تنهي تغريب وانفصام مؤسسات الدولة الأردنية عن مصالح شعبها وإرادته الحرة وقيمه العليا.
ولا بد هنا من التأكيد على أن من يقدس الوسائل والأدوات يخون الأهداف. والعجز عن مراجعة الوسائل وتطويرها دليل عجز عن فهم التحولات في بيئة الصراع. الحراك الشعبي الوطني الأردني مطالب بالعمل على صياغة برنامج نضالي وطني أردني، لتحرير الأردن من المستبد الفاسد وعائلته، وتمكين الشعب الأردني بكل مكوناته من استرداد دولته سلطة وموارد، ليقرر الشعب الحر سيد دولته -عبر الأطر الديمقراطية والمؤسسية- خياراته العملية والتطبيقية تجاه العديد من القضايا، بما فيها القضية الفلسطينية. فالطبيعة المتحركة للصراعات، تتطلب مؤسسات دولة مكرسة للتعامل معها، وليس مجموعة اجتهادات متفرقة وجهود متقطعة وغير متكاملة، تؤدي لتكريس الهزيمة.
أخيراً، فإن والدعوة لتجاوز تجربة الفصائل في الأردن، ليس إدانة لتلك التجربة والمرحلة التاريخية التي أنتجتها، فالأحمق يُدين التاريخ ويعجز عن التعلم منه. والمطلوب هو تجاوز تلك المرحلة لبناء وسائل وأدوات وبرامج نضالية جديدة، فلا توجد برامج ووسائل نضال أبدية الفاعلية لأن بيئة الصراعات متغيرة، فالبرامج النضالية تصمم للتكيف مع التحولات في البيئة الاستراتيجية للصراع واستثمارها.