الأردن والثورة السورية: الفصائل الثورية والدولة!
جمال الطاهات
المشهد السوري المفرح، وقدرة الشعب السوري التخلص من الطاغية، واسترداد الدولة، والمضي قدماً في بناء الدولة الحقيقية التي تعبر عن وجدان الشعب السوري وتخدم مصالح كل مكوناته، تجربة علينا التعلم منها. مراقبتنا لها، ليس من أجل أن نضع عليها شروطاً حتى نؤيدها، او لا نؤيدها. بل لنتعلم منها، ونتحرر من تصوراتنا المرتبكة لمشروع التخلص من المستبد الفاسد في عمان.
الثورة السورية تجري بمشاركة طيف واسع من المكونات والتشكيلات السياسية والاجتماعية، اتفقت جميعاً على أولوية مركزية، وهي تخليص الشعب السوري من الطاغية، وهذه مهمة تحققت. والمهمة الأخرى، تأمين مرحلة انتقالية آمنة، من ميراث المستبد الفاسد إلى الدولة الديمقراطية. وهذا يتطلب التسامي على الجراح، لضمان سلمية العملية الانتقالية، وعدم التورط بالعقلية الثأرية، والمضي قدماً نحو دولة القانون والمؤسسات.
وهناك استحقاق آخر لضمان سلمية العملية الانتقالية، وهو عدم تورط مكونات الثورة باختزال الدولة، والقيام بجهود ومبادرات باسم الدولة. وهذا يعني ألا تقع مكونات الثورة ضحية العقلية الفصائلية، بحيث يسعى كل فصيل لاختزال الدولة، والقيام نيابة عنها بأي مهمة. التصدي للعدوان، تحرير الجولان، ليس مهمة فصائل الثورة، هذه مهمة للدولة السورية. ببساطة هي مهمة وطنية جامعة يتم تقريرها في مؤسسات الدولة، وتنفذها مؤسسة أمنية وعسكرية متطورة بمستوى العدوان. الأمة في مواجهة عدو متفوق مؤسسياً وتقنياً، ولا بد من الارتقاء لذات المستوى للحصول على فرصة 50% لتحقيق النصر، أو على الأقل تجنب الهزائم المذلة.
الصراع ضد إسرائيل “مش فشة خلق”، وليس مهمة يقوم بها فصيل، أو مجموعة شباب متحمسين. الصراع قرار يتم اتخاده بمؤسسات الدولة، ويتم الانخراط به عبر أدوات مؤسسية (دولانية). العاجزين عن التحرر من المرحلة الفصائلية، عليهم أن يرتاحوا. فالمرحلة الفصائلية لا ندينها، فقد أنجزت مهمة تاريخية وهي تمكين الشعب الفلسطيني من استرداد هويته من المغتصب الإسرائيلي، وحليفه في عمان. وهذه مهمة تحققت بنجاح. ومن المعيب أن نبقى أسرى لتلك المرحلة ونفكر بأدواتها.
الثورة السورية تقدم تجربة عملية للحركة الثورية الأردنية، ليكون لها هدف مركزي واحد ووحيد، وهو تخليص الأردن من المستبد الفاسد، وتمكين الشعب من استرداد دولته، وبناء الدولة الحقيقية التي تعبر عن وجدان الشعب وتخدم مصالح كل مكوناته. الثوار على كل فضلهم، ليسوا بديلاً للشعب، وليسوا بديلاً لمؤسسات الدولة. هم طليعة للشعب لتمكينه من تحقيق أهدافه متمثلة بالحرية، من أجل بناء الدولة الحقيقية. والثوار لا يتنافسون مع الطاغية ليختطفوا الدولة. والإرادة الشعبية يحققها الثوار بتخليص الشعب من الطغاة المستبدين الفاسدين. وبعد ذلك فإن التعبير الفعال عن الإرادة العامة للشعب يتم من خلال مؤسسات الدولة التي تحافظ على التوازن بين متطلبات الوجدان والمصالح.
الحركة الثورية الأردنية، والتي يجب أن تأخذ صيغة جبهوية تضم مكونات عدة، ليس مسموحاً لأي من هذه المكونات أن يختطف الدولة والثورة ويمارس مهمات لمؤسسات الدولة. هذه الجبهة مهمتها أن تتخلص من طغيان المستبد الفاسد وعائلته، وأن تعيد الدولة للشعب، وأن تضمن استقلال الضمير المهني لمؤسسات الدولة (لا أن تقوم بالعمل نيابة عن هذه المؤسسات). هذا فضلها وشرفها ومصدر شرعيتها. أما أن تسعى لتفرض على الشعب ما تراه بالقوة، فهي عبارة عن مشروع طاغية جديد، لا شرعية له، ولا فضل.
وليس من مهمات أي مكون من مكونات الحركة الثورية، أن يقوم بأي مهمة نيابة عن مؤسسات الدولة. استرداد الثروات المنهوبة، ليست مهمة الثوار، هذه مهمة مؤسسات الدولة بعد استردادها. سوف تقوم المؤسسة القضائية، والأذرع المالية لمؤسسات الدولة، بملاحقة كل من سرق ونهب عبر قنوات مؤسسية، وليس بطريقة فصائلية. لحظة الثورة قد تقوم قوات إسرائيلية باجتياز الحدود، ولكن التصدي لها ليس مهمة فصائل الثورة، وإنما مهمة مؤسسات الدولة. وتحرير الأرض لا يمكن له أن يكون قبل تحرير الإنسان، أو أن هدف وشعار تحرير الأرض يتضمن اضطهاد الشعوب والمجتمعات ومصادرة حرياتها. ومواجهة العدوان لا يمكن له أن يتحقق بشعارات جوفاء مثل شعار “افتح الحدود”. فبدلاً من هذا الشعار، ليكون الشعار والهدف هو “لنجتاز الشيك الذي يحمي الطاغية ومخلب الهيمنة الإسرائيلية في عمان”، وبعد تنفيذ هذا الشعار، ستقرر مؤسسات الدولة، مقتضيات الحرب والصراع. ببساطة الفصائل الثورية العاجزة عن استرداد البتراء، لن تحرر فلسطين. ولن تحرر القدس قوى عاجزة عن مواجهة المستبد الفاسد وعائلته، وتحمي مدخرات الشعب الأردني المنهوبة في مؤسسة الضمان الاجتماعي.
أخيراً، لكل من يزاود على الثورة السورية. علينا أن نتذكر عز الدين القسام، والقاوقجي. الفصائل مكون للجبهة الثورية التي تنحصر مهمتها بتمكين شعبنا من استرداد دولته سلطة وموارد وبناء الدولة الحقيقية. الصراع ضد المشروع الصهيوني، هو خيارات شعوب. ولكن خيارات الشعوب ترتقي وتنتصر من خلال مؤسسات الدولة وليس بالعمل الفصائلي. الدولة الديمقراطية تنفذ خيار الشعب، ولا تقوم بجره للصراع، بل تتخذ قرار الحرب والسلم عبر مؤسساتها الشرعية. فإما أن يكون التحرير خياراً لشعوبنا، ويجب أن يتم تنفيذه من خلال مؤسسات الدولة، او أنه خيار لفصيل يجب ألا يتم تحميله للشعب. الطغاة أوهموا شعوبنا بأنهم يحتكروا السلطة وينهبوا الموارد باسم التحرير. والحقيقة، أنه في غياب الدولة الديمقراطية، لن تبقى للشعوب كرامة ولا موارد، ولن تستطيع تحرير شبر من الأرض المغتصبة.
2024-12-12
