من التحالف المتطابق إلى إدارة التباين: التحول البنيوي في العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية!
غانية ملحيس *
ملخص تنفيذي
يناقش هذا المقال التحول البنيوي في العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، من منطق “التطابق الاستراتيجي” إلى منطق “إدارة التباين”.
وينطلق من فرضية مركزية مفادها أن أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم تُنشئ هذا التحول بقدر ما كشفت عن تراكمات سابقة أدت إلى اتساع الفجوة في إدراك التهديدات وترتيب الأولويات بين الطرفين، دون أن يؤدي ذلك إلى تفكك البنية التحالفية.
يعتمد المقال على مقاربة واقعية بنيوية متعددة المستويات، تستند إلى كينيث والتز في تفسير البنية الدولية، وستيفن والت في “موازنة التهديد”، وجون ميرشايمر في الواقعية الهجومية، مع توظيف مساهمة غلين سنايدر في فهم التحالفات بوصفها علاقات قائمة على التعاون والتوتر في آن واحد. ويقترح المقال إضافة مفهومية خاصة هي “إدارة التباين”، بوصفها نمطا تحليليا يظهر عندما تتسع الفجوة في تعريف التهديدات بين الحلفاء، مع استمرار الحاجة البنيوية للتحالف.
يُظهر التحليل أن التحالف الأمريكي – الإسرائيلي انتقل من مرحلة ما قبل 2023، حيث ساد “التطابق الاستراتيجي المرن” حول تعريف إيران كتهديد مركزي، إلى مرحلة ما بعد 2023، في سياق إعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها باتجاه المنافسة مع القوى الكبرى، خصوصا الصين، وتقليل الانخراط المباشر في الشرق الأوسط، والذي تعزز بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران في 28/2/2026 والإخفاق في تطويعها، وتوقيع مذكرة التفاهم في 15/6/2026 . مقابل تمسك إسرائيلي بمنطق الأمن الوقائي وتوسيع استخدام القوة.
كما يكشف المقال أن القوة العسكرية الإسرائيلية لم تتحول إلى استقلال استراتيجي، بل إلى تعميق الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة، في ظل تآكل جزئي للشرعية الدولية وازدياد الكلفة السياسية للتحالف. وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة قيودا داخلية وخارجية تحد من قدرتها على إعادة ضبط العلاقة مع إسرائيل.
يخلص المقال إلى أن التحالف الأمريكي – الإسرائيلي لا يتجه نحو التفكك، بل نحو إعادة تركيب وظيفي، حيث تتحول وظيفته الأساسية من إنتاج التطابق إلى إدارة التباين. وبالتالي، يصبح استمرار التحالف نفسه هدفا استراتيجيا مستقلا، وتتحول مؤسساته إلى آليات لاحتواء الفجوات البنيوية بدل حلّها.
المقال الكامل: من التحالف المتطابق إلى إدارة التباين: التحول البنيوي في العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية
أولا: سؤال التحول في طبيعة التحالف
يمثل التحالف الأمريكي – الإسرائيلي أحد أكثر التحالفات ثباتا في النظام الدولي على امتداد عقود، وأكثرها رسوخا بعد الحرب الباردة. إلا أن هذا الثبات لا يعني الجمود، بل يخفي تحولات تدريجية في بنية العلاقة بين الطرفين.
يطرح هذا المقال البحثي الإشكالية التالية: هل ما يزال التحالف الأميركي – الإسرائيلي قائما على تطابق استراتيجي في تعريف التهديدات والأولويات، أم أنه دخل مرحلة جديدة تُدار فيها الفجوات بدلا من إلغائها؟
تنطلق الفرضية المركزية للمقال من أن أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وتداعياتها الإقليمية والدولية شكلت لحظة كاشفة، وليس لحظة تأسيسية، أي أنها لم تُنشئ التحول، بل كشفت عن تراكمات سابقة أدت إلى انتقال التحالف من منطق التطابق إلى منطق التعامل مع الفجوات البنيوية.
يعتمد المقال على المنهج التحليلي البنيوي، من خلال تتبع تطور العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية عبر مقارنة مرحلتين: مرحلة التطابق الاستراتيجي قبل 2023، ومرحلة إدارة التباين بعد 2023.
إدارة التباين” مفهوم تحليلي- تشخيصي ُيستخدم لوصف نمط تتزايد فيه الفجوات في إدراك التهديدات وترتيب الأولويات، دون تفكك البنية التحالفية
حيث يتسم التحالف باستمرار بنيته الاستراتيجية الأساسية، بالتوازي مع اتساع الفجوة في إدراك التهديدات وترتيب الأولويات وأساليب إدارة القوة، بما يفرض على الطرفين إدارة هذا التباين بدل تجاوزه أو حله.
ولا يقتصر هذا التباين على اختلاف الوسائل أو أدوات إدارة الصراع، بل يمتد تدريجيا إلى تباعد إدراك التهديدات وترتيب الأولويات الاستراتيجية، مع استمرار البنية التحالفية الأساسية وعدم تحوله إلى قطيعة أو تفكك.
ثانيا: الإطار النظري: التحالفات غير المتكافئة وحدود التطابق
ينطلق المقال في مقاربته للعلاقات الإسرائيلية الأمريكيه من الواقعية البنيوية، التي ترى أن سلوك الدول يتحدد بدرجة كبيرة وفق موقعها داخل بنية النظام الدولي وتوزيع القوة فيه.
ووفق تصور كينيث والتز، فإن التحالفات ليست علاقات ثابتة قائمة على التشابه القيمي فقط، بل هي ترتيبات تتشكل استجابة لتوازنات القوة والضغوط البنيوية.
وبهذا المنظور، فإن قوة واستمرارية التحالف الأمريكي – الإسرائيلي، رغم التحولات في البيئة الدولية – لا يعني غياب التغير، بل يعكس استمرار بعض الوظائف الاستراتيجية للتحالف.
فمع إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية بين الشرق الأوسط ومنافسة القوى الكبرى، خصوصا الصين، لم تعد أهمية التحالف مرتبطة فقط بالموقع الإقليمي لإسرائيل، بل بكونه جزءا من شبكة أوسع لإدارة النفوذ الأميركي في منطقة ما تزال ذات أهمية استراتيجية.
إلا أن تفسير التحالف من خلال الواقعية البنيوية وحدها يبقى غير كاف، لأن حالة التحالف الأميركي – الإسرائيلي تتجاوز منطق توزيع القوة المجرد. فالعلاقة لا تقوم فقط على موازنة تهديد خارجي، بل على تراكم سياسي ومؤسساتي طويل يجعل تكلفة الانفصال مرتفعة للطرفين.
ومن هنا يقدم ستيفن والت في نظرية “موازنة التهديد” تفسيرا أكثر قربا لهذه الحالة، إذ لا تتحالف الدول فقط ضد أقوى دولة، بل ضد الدولة التي تُنظر إليها باعتبارها مصدر تهديد. ووفق هذا المنطق، ساهمت تصورات مشتركة حول التهديدات الإقليمية، خصوصا إيران منذ الثوره الإسلامية عام 1979، وتنامي نفوذها الإقليمي، وتطور قدراتها الاقتصادية والعلمية، وبرامجها العسكرية، في استمرار التقارب الأمريكي – الإسرائيلي.
لكن هذا التفسير يواجه حدودا تفسيرية متزايدة بعد طوفان الأقصى عام 2023، إذ لم يعد تعريف التهديدات متطابقا بالكامل بين الطرفين. فالولايات المتحدة باتت تنظر إلى الاستقرار الإقليمي، ومنع توسع الصراع كأولوية، بينما تميل إسرائيل إلى تعريف الأمن من خلال توسيع هامش العمل العسكري، لمنع التهديدات قبل تحولها إلى مخاطر مباشرة. وهنا يظهر الانتقال من “تطابق تعريف التهديد” إلى “إدارة اختلاف تعريفه”.
أما جون ميرشايمر والواقعية الهجومية، فتقدم تفسيرا مختلفا، حيث تفترض أن الدول الكبرى تسعى باستمرار إلى تعظيم القوة والنفوذ في بيئة دولية تنافسية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الدعم الأمريكي لإسرائيل بوصفه جزءا من استراتيجية الحفاظ على موقع قوة إقليمية حليفة.
لكن فرضية المقال تختلف عن الواقعية الهجومية في نقطة أساسية. فهي لا ترى أن العلاقة تُفسَّر فقط باعتبارها أداة لتعظيم القوة، بل ترى أنها دخلت مرحلة يصبح فيها الحفاظ على التحالف نفسه عملية تحتاج إلى إدارة مستمرة للتناقضات. أي أن المشكلة لم تعد: كيف يستخدم الطرفان التحالف لزيادة القوة؟ بل: كيف يحافظان عليه عندما تتباعد أولوياتهما؟
غير أن حالة التحالف الأميركي – الإسرائيلي تكشف عن نموذج أكثر تعقيدا، لأنه يجمع بين:
1. اعتبارات استراتيجية صلبة (الأمن الإقليمي)،
2. اعتبارات سياسية داخلية (الكونغرس والرأي العام)،
3. اعتبارات قيمية وخطابية (الهوية الغربية، العقيدة الدينية، الديمقراطية الخ) وبذلك، فإن هذا التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يُختزل في منطق توازن القوى فقط، بل يتضمن بنية شرعية وخطابية موازية تمنحه استقرارا إضافيا. لكن هذا الاستقرار ليس ثابتا، بل يتأثر بتغير موقع الشرق الأوسط داخل الاستراتيجية الأمريكية العالمية.
ويقدّم غلين سنايدر مساهمة أكثر دقة في فهم ديناميات استمرار التحالفات رغم الخلافات الداخلية. إذ ينظر سنايدر إلى التحالف بوصفه علاقة مزدوجة البنية، تقوم في آن واحد على التعاون والتوتر، وليس على الانسجام الكامل أو التطابق الاستراتيجي.
وتُعد هذه المقاربة ذات أهمية خاصة في تحليل التحالفات الممتدة زمنيا، حيث لا يكون الاستقرار نتيجة تطابق المصالح، بل نتيجة إدارة مستمرة للتوترات البنيوية داخل العلاقة. ويؤكد أن التحالفات محكومة بما يسميه “معضلة الالتزام – التورط” حيث تخشى الدولة احتمال التخلي عنها من قبل شريكها من جهة، وفي الوقت نفسه تخشى الدولة الحليفة الانجرار إلى التزامات أو صراعات لا تتوافق مع مصالحها. وبذلك، فإن إدارة التحالف لا تتعلق بإزالة هذه التناقضات، بل بتهذيبها وإبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التحالف الأمريكي – الإسرائيلي بوصفه حالة متقدمة من هذه المعضلة المزدوجة. فإسرائيل تتحرك باستمرار تحت هاجس تقليص أي احتمال لتراجع الالتزام الأمريكي، بينما تعمل الولايات المتحدة على منع تحول التزامها إلى تورط غير محدود في تعريفات إسرائيل للتهديد واستخدام القوة.
ورغم أهمية مساهمة سنايدر في تفسير كيفية استمرار التحالفات رغم التوترات الداخلية، فإن مفهوم “إدارة التباين” الذي يقترحه هذا المقال يختلف عن مقاربة “إدارة الخلافات” التقليدية في نقطة جوهرية. فمعظم أدبيات التحالفات الكلاسيكية تنطلق من افتراض وجود تعريف مشترك نسبياً للتهديدات والأهداف الاستراتيجية، بحيث تدور الخلافات بين الحلفاء حول وسائل المواجهة أو مستويات الالتزام أو توزيع الأعباء. أما في حالة “إدارة التباين”، فإن مصدر التوتر لا يقتصر على اختلاف الوسائل، بل يمتد إلى تباعد إدراك التهديدات نفسها وترتيب الأولويات الاستراتيجية. وبهذا المعنى، لا يعود التحالف إطارا لإنتاج سياسات مشتركة تجاه تهديد متفق عليه، بل يصبح إطارا لتنظيم العلاقة بين أطراف تتزايد الفجوة بينها في تعريف التهديدات والأهداف، مع استمرار حاجتها المتبادلة إلى الحفاظ على البنية التحالفية. ومن ثم فإن وظيفة مؤسسات التحالف لا تتمثل فقط في إدارة الخلافات، بل في احتواء التباعد البنيوي ومنع تحوله إلى تفكك استراتيجي.
ويمكن القول إن التحالف يدخل مرحلة “إدارة التباين” عندما تجتمع ثلاثة شروط مترابطة:
أولها استمرار البنية التحالفية الأساسية وعدم تفكك مؤسسات التعاون الاستراتيجي بين الأطراف.
وثانيها اتساع الفجوة في تعريف التهديدات وترتيب الأولويات الاستراتيجية بما يجعل إنتاج التوافق الكامل أكثر صعوبة.
وثالثها انتقال وظيفة مؤسسات وآليات التحالف من إنتاج التطابق إلى احتواء الخلافات وإدارتها ومنع تحولها إلى تفكك بنيوي.
وبهذا المعنى، لا يُقاس تماسك التحالف بغياب التباين، بل بقدرته على تنظيمه وإبقائه ضمن حدود لا تهدد استمراره.
للمزيد اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/94849
21/6/2026