اغتيال صفة اللجوء الفلسطيني في سوريا تحت ستار البيروقراطية!
بقلم: خالد صالح عطية
في الوقت الذي ما زالت فيه غزة تنزف تحت قصف الاحتلال، وتتعالى فيه الأصوات لاستعادة الحد الأدنى من المعنى الإنساني والحقوقي للفلسطيني، تُطلّ علينا وثائق الولادة الجديدة الصادرة عن دوائر الأحوال المدنية في سوريا لتضع المولود الفلسطيني في خانة “الأجنبي”. ليست هذه حادثة فردية أو سهوًا إداريًا، كما يصرخ بعض الموظفين لتبرير ما لا يُبرَّر، بل هي تحوّل سياسي بنيوي يُراد تمريره بصمت، في سياق تصفية بطيئة ومقصودة للهوية القانونية والسياسية للاجئ الفلسطيني في سوريا.
أن يُسجل طفل فلسطيني وُلد في مخيم، لأبوين فلسطينيين، على أنه “أجنبي”، فذلك ليس خطأً، بل قرار مكتوم يتنكر لتاريخ من الالتزامات السياسية والقانونية. لم يُعلن أحد إسقاط المرسوم 260 لعام 1956، الذي كرّس معاملة الفلسطيني في سوريا معاملة المواطن في كل شيء عدا الجنسية، ولكن يجري الآن تفكيكه عبر الوثائق الصغرى، بأيدي موظفين بلا صلاحية، ولكن بتوجيه من فوق.
المفارقة أن المسؤولين في المواقع الرسمية يصفون الأمر بـ”الخطأ”، وكأن الدولة لا تعرف ما تفعل، أو أنها فقدت سيادتها على ورقة الميلاد. لكن الحقيقة أن “الخطأ” هنا آلية حكم مقنّعة، وهي من أدوات ما يُعرف في القانون الإداري بـ de facto policy: فرض الوقائع دون نص، وتشريع التغير دون اعتراف.
إن تسجيل الفلسطيني كأجنبي يعني أكثر من تلاعب في خانة الجنسية. إنه يعني: إلغاء صفة اللجوء السياسية والقانونية، التي هي جوهر حق العودة؛ وتجريده من الامتيازات المدنية التي حصل عليها بموجب التفاهم القومي بين سوريا وفلسطين؛ وتحويله إلى “مقيم عربي مؤقت” بلا حماية دولية، وبلا تمثيل، وبلا وطن مؤقت أو دائم. بهذا المعنى، ينتقل الفلسطيني من كونه لاجئًا صاحب قضية، إلى كونه فردًا زائدًا، يُعالج بوصفه عبئًا ديموغرافيًا أو ملفًا أمنياً.
في تاريخ العلاقة السورية–الفلسطينية، لم تكن صفة اللاجئ عبئًا، بل كانت جزءًا من هوية الدولة السورية نفسها. المخيمات لم تُبنَ كمنفى، بل كفضاء صمود. واللاجئ لم يُعزل، بل دُمج في التعليم والعمل والطبابة والحقوق، مع الاحتفاظ بخصوصيته السياسية كلاجئ. ما يجري اليوم هو انفصال رمزي خطير: تفكيك للميثاق القومي من طرف واحد، دون إعلان، ودون اعتذار. وكأن سوريا الجديدة – أو من يتحدث باسمها – تريد أن تُنهي هذا “الإرث”، وتدخل مرحلة “التصفير” التي لا تعني إلا تصفيتنا.
ما يجعل هذا التحول أكثر خطورة، هو أنه يجري في لحظة صمت فلسطيني رسمي، وغيبوبة نخب، وتشتت شعبي، وانهيار مؤسسات تمثيلية. لا أحد يسائل، ولا أحد يفاوض، ولا أحد يحتج. وكأن الفلسطيني في سوريا قد أصبح شاهدًا على موته البطيء، لا فاعلًا في مقاومته. المخيمات تصرخ، والهوية تُسحق، واللاجئ يُقصى من خانة التاريخ، ويُدرج بدلًا منها في خانة “الأجنبي”. ليس هذا فعلَ إدارة، بل فعل نفي وجودي محمّل بكامل أبعاد الخيانة الرمزية.
المعركة الآن لم تعد مع قانون أو مرسوم، بل مع فعل إداري بلا توقيع، ومع سياسة تنفيك بلا خطاب. وهذا يفرض علينا: تجميع وتوثيق كل حالات تسجيل الفلسطينيين كأجانب، ونشرها علنًا؛ إعادة تفعيل الصوت القانوني الفلسطيني داخل سوريا وخارجها، لحماية صفة اللجوء؛ مخاطبة الأونروا والجهات الدولية المعنية باعتبار هذا السلوك انتهاكًا صريحًا للحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين؛ إطلاق حملة سياسية وثقافية لتذكير السوريين والفلسطينيين بتاريخ العلاقة المشتركة، التي يجري اغتيالها الآن بهدوء إداري مريب؛ وفتح حوار مع الجهات السورية الجديدة: هل ما يجري يعبر عن إرادة سياسية رسمية؟ وإن لم يكن، فهل يُقرّون بوقوع الجريمة؟
ليست القضية اليوم في خانة على ورقة الولادة، بل في موت قانوني منظم للصفة الوطنية والسياسية للاجئ الفلسطيني في سوريا. ومن يصمت عن النفي الإداري اليوم، لن يجد غدًا موطئ قلم ليكتب اسمه، ولا أرضًا يعترف بها أحد. فالدول لا تقتلنا بالرصاص فقط، بل تمحونا أحيانًا عبر خانات… لا أحد يراجعها.
2025-07-13
