استراحة المحارب ليست طويلة!
سعادة مصطفى أرشيد*
جاءت النهايات المفترضة لسنتي حرب في غزة بموجب جهود تركية قطرية مصرية، حيث قام الرئيس الأميركي لاحقاً ببناء خطته عليها والتي تضمّنت بنوداً معلنة وأخرى سرية لا نعرفها وإن كانت مثيرة للشبهات المشروعة. وتضمّنت النقاط المعلنة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى الأحياء وإعادة جثامين من مات منهم وانسحاباً إسرائيلياً متدرجاً من غزة وإدخال المساعدات الإنسانية ونزع سلاح المقاومة وإدخال قوات دولية وعربية.
بهذا يقول دونالد ترامب إنّ الحرب قد انتهت وإنّ الشرق الاوسط قد عاد إلى طبيعته، فيما يرى نتنياهو أنه قد حقق نصراً مؤزراً على المقاومة، علماً أنّ هذا شرط من شروطه الخمسة قد تحقق بما فيها إطلاق سراح الأسرى الذي جاء إثر مفاوضات وبشروط وليس دون قيد أو شرط وبالقوة كما كان يريد. وفي حين يقول نتنياهو آسفاً أن الحرب قد انتهت إلا أنّ “إسرائيل” لا زالت تواجه تحديات خطيرة والمقاومة بدورها لا تبدو مستعدة لتسليم سلاحها. وهذا ما جاء واضحاً في البيان المشترك الصادر عن حركة الجهاد الإسلامي وحماس والجبهة الشعبية، أو الخروج من غزة بل أكثر من ذلك فهي تعيد سيطرتها كما ينبغي، وتضبط الأمن والأسواق والسلام، الأمر الذي قال ترامب إنه يعرفه ويسمح به وهي تلاحق العملاء وتحاسبهم فيما حاضنتها الشعبية من أهل غزة يزحفون عائدين إلى الأماكن التي كانت بيوتهم ليقيموا على أنقاضها رافضين فكرة الهجرة والرحيل.
قبل ذلك وفي عودة إلى مقدّمات ضرورية نرى أنّ الرئيس ترامب كان قد ناقش وللدقة كان قد استعرض خطته لإنهاء الحرب مع مجموعة من القادة العرب والمسلمين وذلك على هامش زيارتهم لحضور جلسة الجمعية العمومية للأمم المتحدة وما تخللها من اعترافات بدولة فلسطين، ولكن بعد زيارة نتنياهو للبيت الأبيض الأسبوع الماضي وحديثه مع الرئيس ترامب أخذت الخطة منحًى مختلفاً عمّا عرفه الرؤساء العرب والمسلمون، حسب قولهم، فالخطة بعد التعديلات التي أدخلها نتنياهو وقد أصبحت مغايرة لما عرفوه، وهي التي عُرضت على قمة شرم الشيخ ووافق عليها الحضور، وفي مقدمة ضرورية أخرى لا بدّ منها فإن السفير الأميركي في تل أبيب كان قد أعلن ومن موقعه الرسمي أنّ الضفة الغربيّة (يهودا والسامرة بموجب مفرداته) هي أرض يهودية ويجب أن تعود لأصحابها وأنه بذلك ينفي وجود الشعب الفلسطيني وسرديته لحقه بالوجود على هذه الأرض.
هكذا لا تبدو الحرب قد انتهت، وإنما أخذ المحاربون استراحة قد تكون قصيرة قبل استئناف الحرب، ولكن ليس على جبهة غزة فقط وإنما بفتح جبهات جديدة في لبنان والشام وربما إيران واليمن، ولكن قد تكون أولى جبهاتها هي جبهة الضفة الغربية التي قال الرئيس الأميركي في خطابه في الكنيست إنّ غزة فيها كيان منفصل ولم يأتِ على ذكر الضفة الغربيّة من قريب أو بعيد، فيما قال نتنياهو في المكان والزمان ذاتهما إنّ الرئيس الأميركي يتفهّم تماماً مصالح واحتياجات “إسرائيل” في (يهوذا والسامرة) الضفة الغربية.
قد تحاول خطة دونالد ترامب إعادة الشرق الأوسط إلى طبيعته التي يراها طبيعية، وهي الطبيعة التي سبقت السابع من تشرين الأول 2023 عندما كانت المسألة الفلسطينية تتآكل وينعدم الاهتمام الدولي والعربي والإسلامي بها إلا أن بطولة مقاتلي ذلك الصباح الرائع أعادت المسألة إلى مدارها الطبيعي وإلى صدارة الأحداث العالمية سياسياً وإن شعبياً كما رأيناها في المظاهرات المليونيّة التي جابت عواصم العالم، فيما غابت عن عواصمنا ومدننا وعن عواصم العالم العربي ومدنه.
وعود إلى السؤال هل انتهت الحرب؟ والجواب هو لا وإنما ستأخذ أشكالاً جديدة، ومَن استمع إلى خطاب زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد في جلسة يوم الاثنين يدرك أن الإسرائيليين على قلب رجل واحد في توجّهاتهم نحو تصعيد الصراع، فـ(الإسرائيلي) يرى أن الحرب قد أصبحت هدفاً لا وسيلة من وسائل السياسة.
2025-10-16