استدارة روسيا نحو الشرق اضطرار ام خيار؟
د. سلام العبيدي*
ربما لاحظ كثيرون النسر ذا الرأسين المنقوش على شعار النَبالة للاتحاد الروسي. ظهر النسر نفسه في تاريخ البلاد منذ عهد إيفان 3 (1462-1505). ينظر أحد رأسي النسر إلى الغرب، والآخر إلى الشرق. الاعتقاد الشائع ان النسر يرمز إلى الموقع الأوسط الذي تحتله روسيا بين جهتي العالم – بين أوروبا وآسيا. لكن ثمة ثلاث روايات رئيسية تشير اليها كتب التاريخ وكلها تربط النسر ذا الرئيسين بالدولة البيزنطية.
ذات مرة قال السياسي الروسي الراحل فلاديمير جيرينوفسكي إن مصائب روسيا عبر القرون تعود إلى شعارها الذي يدل على انفصام شخصيتها، فلا هي مع الشرق ولا هي مع الغرب، لذلك ستظل تتلقى الطعنات من الجهتين ولن تفلح بصديق حقيقي واحد. جيرينوفسكي قالها آنذاك مازحا، لكن في كلامه دلالات كثيرة لها تجسيد في واقع اليوم.
دون المرور بالمحطات الكثيرة للتاريخ الروسي عبر القرون، فهذا ليس بيت القصيد، نقف في المحطة التي بلغتها روسيا في يومنا هذا. لكن قبل ذلك لنفهم ما المقصود بالاستدارة نحو الشرق، واي درجة تشغل منطقة الشرق الأوسط في سلم أولويات السياسة الخارجية الروسية.
إن تحول روسيا إلى الشرق، اي استدارتها نحو الشرق، هو تغيير استراتيجية السياسة الخارجية للاتحاد الروسي في بداية القرن الحادي والعشرين، على نحو يؤدي إلى إعادة توجيه الاقتصاد بشكل جزئي إلى الدول الآسيوية. أهداف التحول هي: احتلال مكانة اقتصادية وسياسية مناسبة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتحسين ميزان التجارة الخارجية، الذي ظل فترة طويلة يركز بشكل مفرط على أوروبا، وإضعاف وطأة العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو منذ عام 2014، بعد ضم شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي.
المرجو من التحول شرقا، كف روسيا عن المحاولات غير المجدية للاندماج في المنظومة الاوروأطلسية (التي بدأت بعد نهاية “الحرب الباردة”)، وتفضيل العلاقات مع “اللا غرب” والانخراط في تطوير الشرق الأقصى الروسي والتعاون مع الدول الآسيوية.
أما المفهوم الجديد للسياسة الخارجية الروسية، فقد وضع في اعلى سلم الأولويات، وهذا شيء طبيعي، تطوير العلاقات بين روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة. لكن تخطط موسكو ايضا لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع بكين ونيودلهي. وفي المفهوم الجديد للسياسة الخارجية الروسية، الذي تم تبنيه قبل نحو عام من الان نقرأ التالي:
“تهدف روسيا إلى الاستمرار في تعزيز علاقات الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي مع جمهورية الصين الشعبية وتولي اهتماما ذا أولوية لتطوير التعاون متبادل المنفعة في جميع المجالات والمساعدة المتبادلة وتعزيز التنسيق على الساحة الدولية من أجل ضمان الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة على المستويين العالمي والإقليمي في كل من أوراسيا وأجزاء أخرى من العالم”.
بالإضافة إلى ذلك، وفقا للمفهوم، ستواصل روسيا “بناء شراكة استراتيجية مميزة مع الهند” لرفع مستوى التعاون وتوسيعه في جميع المجالات على أساس المنفعة المتبادلة. كما تخطط موسكو لإيلاء اهتمام خاص لزيادة حجم التجارة المتبادلة والاستثمار والعلاقات التكنولوجية مع نيودلهي، وضمان مقاومتهما للأعمال المدمرة للدول غير الصديقة وتكتلاتها.
وكما ورد في الوثيقة، فإن التعميق الشامل للعلاقات والتنسيق مع مراكز القوة والتنمية العالمية ذات السيادة الصديقة الموجودة في “القارة الأوراسية” والالتزام بمقاربات قريبة من موسكو لصرح النظام العالمي والمشاكل العالمية المستقبلية “يحظيان بأهمية خاصة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والوفاء بالمهام الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية”.
تعتزم روسيا إيلاء الاهتمام على اساس الأولوية لتطوير التعاون مع إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر ودعم سوريا. كما ستساعد في تسوية النزاعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
إذا، يقع الشرق الأوسط في اسفل سلم الأولويات الروسية. والأفضلية في هذه المنطقة لعدد محدود من الدول ورد ذكرها بالاسم. ربما سقطت سهواً دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعد عمليا اليوم أكبر شريك لروسيا في المنطقة من حيث حجم التبادل التجاري والاستثمارات.
في معرض رده على أسئلة الصحفي الاميركي تاكر كارلسون مؤخراً، تذكر الرئيس الروسي أنه استمزج رأي نظيره الاميركي آنذاك بيل كلينتون في إمكانية إنضمام روسيا إلى حلف شمال الأطلسي. وفق بوتين، فان كلينتون إعتبر هذه الفكرة بادئ الأمر قابلة للتحقيق، لكنه تراجع عنها في اليوم التالي، بعد تشاوره مع أعضاء الوفد المرافق له اثناء زيارته تلك إلى موسكو. كان ذلك في عام 2000. بعد ذلك، وفق سردية الرئيس الروسي ايضا، إقترحت موسكو على الولايات المتحدة والناتو في عهد جورج بوش الابن العمل معا لتطوير نظام مشترك للدفاع ضد التهديدات الصاروخيّة الإيرانية. وهذه المرة ايضا كانت ردة الفعل الاولى إيجابية في كل من بروكسل وواشنطن، لكن العرض الروسي رفض فيما بعد. ومع ذلك، إستمرت محاولات القيادة الروسية لبناء شراكة استراتيجية، لا سيما في المجال الأمني، مع المجتمع الغربي، لكن دون نتائج ملحوظة. وفي المقابل، استمرّ زحف البنى العسكرية الأطلسية في اتجاه الحدود الروسية، لضم مزيد ومزيد من دول وسط وشرق أوروبا إلى الناتو. خطاب بوتين في مؤتمر ميونخ للأمن في عام 2007 شكل نقطة انعطاف حاد في العلاقات الروسية الغربية. بعده وقع الاجتياح العسكري الروسي لجورجيا في عام 2008 وضم القرم إلى روسيا في عام 2014 إثر احداث “ميدان كييف”، التي أطاحت نظام حكم فكتور يانوكوفيتش، الذي صنف موالياً لموسكو. خلال هذه الحقبة الزمنية والسنوات التي تلتها إلى حين إطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، تخللت العلاقات الروسية الغربية توترات كثيرة، سواء على صعيد فضائح التجسس المتبادل او الاتهامات الغربية لاجهزة المخابرات الروسية بتدبير اغتيالات سياسية داخل روسيا وخارجها. بيد ان العلاقات بين الطرفين وصلت إلى طريق مسدود بعد التدخل العسكري في أوكرانيا، ليصبح فلاديمير بوتين نفسه الشخص الذي لا يصافحه أحد من القادة الغربيين. بمعنى آخر، رفع الغرب الجماعي سقف شروط اعادة تطبيع العلاقات مع موسكو برحيل الرئيس الروسي نفسه. رد الكرملين كان صفعة قوية للطرف الاخر – تعديل الدستور الروسي والقانون الانتخابي ليتمكن بوتين من تصفير ولاياته السابقة ويترشح من جديد مرتين أخريين. في آذار / مارس المقبل يعول الرئيس على اعادة انتخابه مجددا ليحكم روسيا حتى عام 2030.
بهذه البيانات الأولية، يأتي الطرفان إلى جولة النزال الأخيرة: مواجهة شاقة ومضنية في أوكرانيا غير قابلة للحسم لأي من الطرفين، ما يضع هيبة كليهما على المحك. والثمن، في حال أصر احدهما على إلحاق الهزيمة بالآخر، هو الإخلال بالسلام والاستقرار العالميين.
الحديث عن أن عالما متعدد الأقطاب يتشكل (انظر: https://www.raialyoum.com/دراسة-للواقع-المعاصر-التشكيلة-الأمني/) لا يعني أن الصين والهند، اللتين تربطهما بالغرب مصالح اقتصادية تتجاوز ترليوني دولار، بالإضافة إلى دول كثيرة اخرى، يمكن أن تجرؤ على مواجهة مفتوحة مع التحالف الاوروأطلسي، الذي تقوده واشنطن. في الواقع العملي، هذان البلدان أكثر المستفيدين من المواجهة الروسية الغربية، إقتصاديا بالدرجة الاولى، حيث يحصلان وباسعار مخفضة على موارد الطاقة الروسية ويجدان في روسيا سوقا مربحة لتصريف بضائعهما.
من وجهة نظر المفهوم الجديد للسياسة الخارجية الروسية، التحول شرقاً يترجم في أرض الواقع. لكن السؤال: هل حققت روسيا نفسها مكاسب توازي في القيمة مكاسب الطرف الاخر؟ لا يبدو الأمر كذلك!
الفكرة الأساسية التي يمكن قراءتها بين السطور في حديث الرئيس الروسي للصحفي الاميركي تكمن تحديدا في ان بوتين يريد ان يوصل للطرف الأخر رسالة مضمونها أن موسكو مستعدة لحوار مفتوح وصريح وغير مشروط مع الغرب، في إشارة واضحة إلى واشنطن، وإن الجانب الروسي موافق على تجميد الوضع في أوكرانيا على ما هو عليه الان. بمعنى ان روسيا لا تطمح إلى الاستمرار في قضم مزيد من الأراضي الاوكرانية. وكالعادة، كما بات مألوفاً على مدى السنوات القليلة الاخيرة، فان رئيس وزراء هنغاريا فكتور أوربان يؤدي وظيفة “الترجمان” بين روسيا الغرب، حيث يفسر أقوال وافكار بوتين لنظرائه في العواصم الغربية. ما قاله أوربان يمكن أن يصبح بالفعل الأرضية الملائمة لبدء الحوار بين موسكو من جهة وواشنطن وبروكسل، وضمنهما كييف من جهة أخرى، حول التسوية الاوكرانية. وفق رئيس وزراء هنغاريا، فان الحل الوحيد لإنهاء الصراع يكمن في تحويل أوكرانيا إلى دولة محايدة وعازلة بين روسيا والناتو بضمانات أمنية لها من الطرفين. خلافا لذلك، في رأي أوربان، ستزول أوكرانيا من الخريطة السياسية لاوروبا بمعالمها وحدودها ما قبل الحرب.
في الواقع، ما عرضه أوربان يمثل ما يتطلع اليه بوتين. هذا يعني أن موسكو بدورها مستعدة لتقديم تنازلات للطرف المقابل. وهنا يبدأ الحديث عن طبيعة هذه التنازلات، وهذا يفسر لماذا بدأنا الحديث أصلا بالنسر ذي الرأسين: روسيا لا تستطيع ولا تريد أن تدير ظهرها تماما للغرب وان تعتمد فقط على الشرق. روسيا المعاصرة، زمن ما بعد الاتحاد السوفييتي، تشكلت كدولة ليبرالية الهيكلية السياسية والبناء الاقتصادي. روسيا تتحكم بمقدراتها وثرواتها الهائلة نخبة أوليغارشية ليبرالية غربية الأهواء. حتى الطبقة السياسية الحاكمة تلقن عدد كبير من ممثليها الاتكيت (الأدب) السياسي والمهارات الاقتصادية في المدارس الغربية.
فلاديمير بوتين يمثل اليوم مصالح نخب سياسية واقتصادية ومالية، ليست متجانسة تماما، لكنها تفهم انها مضطرة للتعايش في ما بينها للحفاظ على سلطتها وامتيازاتها. وظيفة بوتين الرئيسية تكمن بالدرجة الاولى في تحقيق معادلة التوازن بين هذه النخب لضمان عدم انزلاق البلاد في هذا الاتجاه او ذاك. بالطبع، تدهور العلاقات مع الغرب أدى إلى إختلال التوازن في هذه المعادلة. لكن ذلك لا يعني أن الجناح الليبرالي فقد قدرته على التأثير في القرار السياسي. ومن يوجّه اليوم جهود رأب الصدع مع الغرب هو هذا الجناح تحديداً.
ما نريد أن نصل اليه هو أن القطيعة بين روسيا والغرب ليست نهائية، كما افترض ويفترض كثيرون. بوتين أبقى على نفوذ الجناح الليبرالي، ذات الجناح الذي يؤثر فيه اللوبي اليهودي المنحاز لاسرائيل، لكيلا يقطع شعرة معاوية مع الغرب. هذا ما يفسر، على سبيل المثال، عدم تدهور العلاقات بين موسكو وتل ابيب، بالرغم من دعم الأخيرة لأوكرانيا سياسيا ومعنويا وحتى عسكريا. وهذا يفسر ايضا “غرابة” الموقف الروسي من مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة. وفي هذا السياق ايضا يأتي لقاء الرئيس بوتين وقبله بأيام مبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف بحاخام الجناح اليهودي المتطرف في روسيا بيرل لازار. المثير للجدل أن هاذين اللقاءين عقدا بعد عودة الحاخام لازار من غزة، حيث ألقى مواعظ دينية على جنود الاحتلال، بارك لهم فيها مآثرهم العسكرية دفاعاً عن الشعب اليهودي!!!
بطبيعته، غالبا ما يتحدث الإنسان عن الأشياء، التي يمتلكها الآخرون، والتي يريد أن يمتلك مثلها. في روسيا يتحدثون أكثر فأكثر في الاونة الأخيرة، بامتعاض احيانا وبحسد في أحيان أخرى، عن المليار الذهبي. وفي موقف مثير للجدل يقول بوتين أن لا داعي لبقاء هذا العالم أن لم يكن لروسيا مكان فيه. هذا المسار الفكري إن دلّ على شيء فانه يدل على أن بوتين يريد لروسيا، او على أقل تقدير للنخبة الروسية، أن يحجز تذاكر في قطار المليار الذهبي. طموح لا يمكن أن نلوم الرجل عليه. لكن ذلك يعني أن الحديث عن عالم متعدد الأقطاب والاستدارة نحو الشرق إضطرار لتحقيق أهداف مرحلية وليس خياراً إستراتيجياً.
اليوم، صعود القطار الذهبي مرهون بجملة شروط يجب أن تتوفر في الأمم المرشحة لذلك:
– إمتلاك قاعدة صناعية متطورة؛
– تأمين موارد طاقة مستدامة؛
– الحيازة على برنامج واعد للذكاء الاصطناعي؛
– إمتلاك قوات مسلحة قادرة على خوض حروب الجيل الجديد؛
– توفير الامن الغذائي.
حتى تتحق في روسيا كل هذه الشروط، ما يمكنها من صعود القطار الذهبي، يجب ان تتفاهم مع الغرب وهذا يتطلب تنازلات متبادلة، لن تكون في كل الاحوال لصالح الأمة العربية – إن وجد شيء بهذا المسمى، بعد محنة غزة المثخنة بدماء أبنائها.
كاتب عراقي
2024-02-13