احتجاجات جانفي 2021 بتونس ..
هل هي تصحيح لمسار الثورة أم مسار الحكومة؟
بقلم أعليّة العلاني.
الاحتجاجات التي حصلت في تونس في الأيام الأخيرة من طرف العديد من الشباب بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة التونسية، هل هي ردة فعل على تهميش في حالة تمدد مستمر بالعديد من المناطق والشرائح الاجتماعية؟ أم هي بداية ثورة جديدة يرى البعض أنها لتصحيح مسار الثورة؟ في حين يرى البعض الآخر أنها لتصحيح مسار الحكومة التي لم تفعل الكثير لـ 60 بالمائة من الشعب التونسي الذي تمثله شريحة الشباب. وتقودنا هذه التساؤلات إلى المساهمة في قراءة أولية لما حصل ويحصل، وماذا يجب علينا فعْله للخروج من هذا المأزق.
1) قراءة أولية في احتجاجات الأيام الأخيرة
يمكن القول أن هناك أسبابا موضوعية من بينها أولا، الجوع والحديث النبوي يقول “كاد الجوع أن يكون كفرا.” فهناك فئات شبابية وعائلاتهم لم يعودوا قادرين على توفير لقمة العيش، وثانيا، الإحباط، سواء في صفوف الشباب المُتعلّم أو من المنقطعين عن الدراسة الذين أصبح حلمهم الوحيد الهجرة السرية رغم مخاطرها، وثالثا، ضعف الانتماء للدولة، لأن هذا الشاب يتابع باستمرار أخبار الفساد في الحكومة وفي الإدارة وفي البرلمان ويرى أنها تنتهي في الكثير من الأحيان بالإفلات من العقاب، بالإضافة إلى أسباب كثيرة أخرى تتعلق بالحُقْرة والتعامل العنيف أحيانا مع تطلعاته. هذا الشباب احتج على هذه الأوضاع ليلا ونهارا، وصاحبتْ هذه الاحتجاجات مع الأسف عمليات سلب ونهب واعتداء على الأملاك العامة والخاصة وهي تصرفات مُدانة دون شك، لكن لا يمنعنا هذا من القول أنّ هناك ظروفا دفعت هؤلاء الشباب للتصرف بعنف. ولا ننسى أن المناخ العام بالبلاد محتقن منذ مدة وقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن أكثر من 80 بالمائة من التونسيين يرون أن بلادهم لا تسير حاليا في الاتجاه الصحيح، وأنّ الثقة في الطبقة السياسية متدنّية. فكيف تريد من الشباب أن يتحلى بالصبر والرصانة وهو يعرف أنّ أبواب التوظيف في القطاع العام شبه مغلق، وأن عديد الشركات الخاصة بصدد الإغلاق، أي أن شبح البطالة سيُرافقهم لمدة طويلة؟ وكيف تطلب من الشباب وخاصة من الفئات المهمشة التهدئة ولا تُقدّم له مشاريع حلول قابلة للإنجاز في البلاد، وهو يعرف اليوم أيضا، بعد أزمة كوفيد 19، أن حلم الهجرة المنظمة أو السرية نحو أوروبا ستكون صعبة المنال. وبالتالي فإنّ عدم وجود خطة حكومية للنهوض بالشباب ساهم في مزيد من الإحتقان زادته بعض تصريحات السياسيين مثل التصريح الأخير لرئيس مجلس شورى حركة النهضة أزمة على أزمة. فما هي الحلول العاجلة والآجلة لاحتواء هذا الاحتقان؟
2) الحلول العاجلة
لقد تَعَهّد رئيس الحكومة هشام المشيشي في خطابه الأخير بإنشاء هيكل شبابي يساعد على حل أزمات الشباب، لكننا لا نعرف شيئا لحد الآن عن أهدافه ودوره. وأقترحُ أن يجمع هذا الهيكل خبراء مختصين في النهوض بالشباب وخاصة المُهمّش منه، والبحث في أسرع وقت عن آليات لتكوين من انقطع عن الدراسة وتمكينه من تَعَلّم حرفة يختارها وإسداء منحة رمزية لكل من ينخرط في هذا التكوين وهذا أفضل من مشاريع شركات البَسْتنة التي لا تحل المشكل (هي شركات تقوم على التشغيل الهش)، ثم مرافقَتُهم بعد انتهاء التكوين للانخراط في سوق الشغل ويمكن للحكومة تمويل برنامج التكوين بجزء من الميزانية وبمساعدة من الخواص ومن منظمات دولية تشتغل على هذه البرامج. ومن الحلول العاجلة كذلك تعهُّدُ الدولة بالاشتراك مع الخواص بالشروع في إيجاد فضاءات ترفيهية في الأحياء والمناطق الفقيرة، وأقترحُ أن يحظى الهيكل الشبابي الذي أعلن عنه رئيس الحكومة باهتمام إعلامي خاص بأن تُعْقَد منابر إذاعية وتلفزية ومقالات صحفية تدعو الشباب للتعبير عن آرائهم ومطالبهم بكامل الحرية وبحضور خبراء في المجال الشبابي يعملون على إثراء وتصحيح وتطوير مطالبهم.
ولا يمكن لهذا الهيكل أن يعمل بسلاسة قبل إطلاق سراح الموقوفين بعد التنبيه عليهم أن العودة للعنف والنهب سيضر بمستقبلهم لأن القانون صريح في منع حصول هذه الأعمال.
3) الحلول الآجلة
وفي مقدمتها أولا، إعلان الحكومة عن القيام بأشغال كبرى لمشاريع كبرى (عقارية، سياحية، بُنْية تحتية، في المناطق الداخلية بالخصوص إلخ) تكون مصدرا لتشغيل عدد هام من العاطلين من الشباب. وثانيا، تشريك أكبر للشباب في الشأن العام، وثالثا، تحرير الرُّخَص وتمكين الشباب وخاصة المهمّش من أجل إقامة مشاريع لهم بقروض مُيَسّرة جدا وبفوائض ضعيفة، ورابعا، العمل بكل الوسائل على تقليص المنقطعين عن الدراسة، وخامسا وأخيرا تشجيع الشباب على الانخراط في التكنولوجيا الرقمية والاقتصاد الرقمي لأنه يُعتبر قطاع الحاضر وخاصة المستقبل بعد أزمة كوفيد 19. هذه الإجراءات والحلول يجب أن تكون مُرقّمة حتى يعرف الشباب أنّ طموحه وكرامته وأحلامه في أن ينجح في عمله وأن يؤسس عائلته الصغيرة، وأن يُبدع في اختصاصه أمر قابل للتحقيق وليس مجرد وعود.
أكاديمي ومحلل سياسي.
2021-01-23