من الطبيعي أن نولي موضوع الاتفاق حول ما يعرف باسم الملف النووي الإيراني اهتماماً كبيراً، نظراً إلى الحضور الإيراني البارز في الشرق العربي، وتحديداً في البلاد التي حل فيها «الربيع العربي» أو تأثرت بمناخاته «الثورية».
أعني سوريا والعراق وفلسطين (قطاع غزة) الأردن واليمن. حتى أنك تحسِبُ أن الإيرانيين يجذبون «الثورات» العربية أينما حلّوا، أو بالأحرى يثيرون حساسية العرب وعشقهم للديموقراطية!
منذ سقوط نظام الشاه 1979، وكان في آن واحد، صديقاً لعرب الخليج، وللمستعمرين الإسرائيليين، وللولايات المتحدة الأميركية، وعدواً لدوداً للناصرية ولحركات التحرر العربية، وإلى اليوم ونظم الحكم العربية منزعجة من الثورة الإسلامية، متخوِّفة من ارتداداتها السياسية والثقافية على شعوب المنطقة .
إلى حد أن هذه النظم بادرت سنة 1980 إلى شنِّ حرب ضروس ضد إيران، استمرت إلى سنة 1988. حيث جعلت العراق في مقدمة الصفوف، ومنحته السلاح والأموال.
آنذاك كان الأميركيون والفرنسيون والبريطانيون يساعدون العراق ويمدونه بالخبرات والمعلومات وبالسلاح أيضاً. وما أن انتهت مهمة العراق، حتى انقلبوا عليه. فشل العراقيون في الخلاص من مصيدة الملف النووي .
إن الاتفاق بين إيران من جهة والدول الكبرى من جهة ثانية، هو تعبير عن رغبة الطرفين في التوصل إلى اتفاق هو في الحقيقة ترجمة لميزان القوى بينهما.
في لحظة معينة، يعتقد الطرف الأقوى أنه لن يستطيع كسب أوراق جديدة عن طريق الحرب، بينما يرى الطرف الأضعف أنه من الأفضل إعطاء الشيء على طاولة المفاوضات بدل التخلي عن الشيء نفسه في ساحة الحرب.
لا يتسع المجال هنا لكي نستعرض الفرضيات العديدة التي تتناول حسابات الربح والخسارة في هذا الجانب وذاك، ولكن يمكننا القول دون تردد ان إيران نجحت في الإفلات حتى الآن من مصيدة الملف النووي، حيث فشل العراق فشلاً يكاد أن يكون مميتاً!
باعتراف المستعمرين الإسرائيليين أنفسهم، إن اتفاق الملف النووي الإيراني، لا يشترط على إيران وقف دعمها للمقاومة في لبنان وفي قطاع غزة، وفكّ تحالفها مع سوريا .
تحتاج إيران إلى رفع العقوبات الاقتصادية وإلى أموالها المجمدة في بلاد المستعمرين الغربيين، بالإضافة طبعاً إلى فتح الأسواق العالمية أمامها، لبيع نفطها ولشراء ما يلزمها من تقنيات مدنية وعسكرية!
أما بالنسبة إلى بلاد الغرب، ليس صحيحاً أنها تريد انضمام إيران إلى الحرب ضد «داعش»، هذه الأخيرة هي صنيعة هذه البلاد الغربية .
من المحتمل أن الدمار الواسع في العراق وسوريا يتطلب مشروع إعمار كبير، مشروعاً دولياً، ليس بإمكان هاتين الدولتين تحمّل نفقاته .
يستتبع ذلك أنهما مرشحتان لأن تصيرا مرتهنتين ! هذا يعني أن الحرب ضدّهما حققت ما كان يتوخاه الغزاة والمعتدون منها، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فإن الدول الغربية تأمل في أنها ستكون قادرة بحسب رأيي، على استخدام لجان مراقبة برنامج الأبحاث النووية في ابتزاز إيران لإجبارها على اتخاذ مواقف توفيقية . في أفغانستان والقوقاز على سبيل المثال .
بالإضافة إلى تقليص العلاقات بينها وبين الروس والصينيين . ليس مستبعداً في السياق نفسه ألا يطول الوقت قبل استهلال «ربيع خليجي» . لا شك في أن تجربة ناجحة في إيران سوف تكون مفيدة في نجد والحجاز !