إيران ، إسرائيل عداء أم إستراتيجية مصالح ؟
بقلم أحمد الحباسى
لعله السؤال الأبرز الذي يطرحه كثير من المتابعين و المعلقين في علاقة بما يحصل من حالة اشتباك عسكرية بين إيران و الكيان الصهيوني أدت بالطرفين إلى تبادل القصف و استهداف عديد المنشآت العسكرية ذلك أن هناك استغراب شديد يتعلق بمدى جديّة التهديدات النارية الصادرة عن الطرفين و مقارنتها بما حدث من ضربات تكاد تكون رمزية في حدود ما سمى بردّات الفعل و تساؤل وجيه لماذا خضع الكيان الصهيوني للضغوط الأمريكية العلنية التي طالبته صراحة بعدم استهداف المنشآت النووية و البترولية الإيرانية و نفس الشيء بالنسبة للجانب الإيراني الذي اكتفى رده الصاروخي على استهداف بعض المنشآت العسكرية الرمزية . لعل هذا الأمر هو مما بعث كثيرا من الشكوك لدى الكثيرين بحيث أصبح هناك سؤال يتكرر مفاده هل أن حالة العداء المعلنة بين إسرائيل و إيران حالة عداء حقيقية أم هي مجرد مسرحية و تبادل أدوار و لعبة خفية قذرة تديرها أجهزة المخابرات الإيرانية و الصهيونية و الأمريكية بالتعاون مع بعض الأجهزة الصديقة الأخرى للأطراف المذكورة .
في محاولة للفهم يجب التذكير أأولا بعدة معطيات أساسية مهمة أولها وجود جالية يهودية كبرى في إيران ، ثانيها أن إيران بإمكانها في لحظات إغلاق مضيق باب المندب أحد الشرايين الاقتصادية العالمية المهمة ، رابعها أن إيران بمكانها ضرب المنشآت النفطية الخليجية كرد سريع و مباشر على كل ضربة صهيونية أو أمريكية ، خامسها ، أن إيران تملك قوة صاروخية باليستية’ قادرة على الوصول إلى كل المنشآت و القواعد العسكرية الصهيونية كما أنها قادرة على ضرب مفاعل ديمونا النووي الشهير مع ما يمكن أن يصيب إسرائيل و الدول المجاورة بأخطار إشعاع نووي غير مسبوق لا يقل خطرا عن إلقاء الأمريكان القنبلة النووية على مدينة هيروشيما اليابانية سنة 1945 ، سادسها . انتماء بعض القوى المقاومة في لبنان و العراق و البحرين و اليمن لإيران ، سابعها ، استعداد عدة فصائل شيعية للقيام بعمليات انتحارية سواء داخل الكيان أو في ما يسمى بدول الطوق الأردن ، دول الخليج ، مصر على وجه التحديد ، ثامنها ، قدرة الاستخبارات الإيرانية على استهداف أهداف حيوية صهيونية داخل أو خارج الكيان الصهيوني .
ما سبق التذكير به لا يمثل إلا جزءا يسيرا من عناصر القوة الإيرانية لذلك وجد الكيان الصهيوني نفسه في عديد الأحيان مجبرا على التعاطي بغاية الحذر و الاعتدال و ضبط النفس مع إيران كما أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة و خاصة منذ اقتحام السفارة الأمريكية في طهران في عهد الرئيس السابق جيمي كارتر سنة 1987 و منذ استهداف فندق إقامة جنود المارينز في لبنان سنة 1983 لا تريد الاندفاع و القيام بعمليات عسكرية غير محسوبة و غير مضمونة النتائج . بطبيعة الحال هناك حالة اشتباك مصالح متشعبة معلنة بين الكيان و الأمريكان سواء على مستوى علاقات الكيان مع الأكراد في العراق ، سوريا و تركيا أو على مستوى قدرة التنظيمات الشيعية المتواجدة بالعراق على استهداف القوات الأمريكية و اجتثاث العملاء الصهاينة أو على مستوى قدرة الحوثيين في اليمن على فرض حالة من الاضطراب القصوى تضر بحركة الملاحة قرب قناة السويس مما سيشكل ضربة قاصمة للاقتصاد الصهيوني على وجه الخصوص و العالمي على وجه العموم . من المعلوم أن إيران تتعاون مع روسيا تحديدا و عدة بلدان مجاورة لتحجيم الدور الصهيوني الأمريكي في تلك البلدان و هناك حرب استخبارات غير معلنة يتم كتم خفاياها و نتائجها و أبعادها من طرف الجميع و هي حرب لها علاقة بمصالح اقتصادية مهمة لهذه البلدان تحاول إسرائيل استهدافها بكل الطرق لإضعاف الاقتصاد الإيراني باعتباره ركيزة القوة في هذا البلد.
لا نذيع سرا حين نكشف ما تتناقله كثير من وسائل الإعلام الصهيونية و العالمية التي تتحدث عن حرب اختراقات تجسسية خطيرة تقوم بها أجهزة الاستخبارات الإيرانية المختلفة التي استطاعت تجنيد عدة شخصيات و مسئولين مهمين في دولة الكيان و لا نذيع سرا حين نؤكد أن ما تحصل عليه حزب الله من قاعدة بيانات تخص مواقع حكومية و عسكرية و مقرات سكن عديد القيادات بما فيه رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو هو نتاج تعاون وثيق بين المخابرات الإيرانية و مخابرات الحزب و في هذا السياق نتذكر طبعا ما نشره الحزب من صور دقيقة جدا لعدة مواقع و منشآت عسكرية حيوية التقطتها الطائرة بدون طيار التي أطلق عليها اسم ” الهدهد “” . لا يجب في هذا السياق أن نتغافل عن الإشارة إلى أن الضربات الصاروخية الإيرانية للكيان ليلة 2أكتوبر الحالي قد تميزت بقدرتها الفائقة على إصابة الأهداف المطلوبة و هو ما يدفع للتساؤل عن مدى ما تملكه إيران من معطيات تفصيلية حول القدرات و البنية العسكرية و الأمنية الصهيونية و بالذات هل سلمت المخابرات الروسية لإيران بعض الأسرار و الخرائط مقابل تعاونها في تزويد روسيا بالطائرات دون طيار التي تستعملها في حربها ضد أوكرانيا .
هناك تعتيم مقصود يراد منه تقزيم الدور الإيراني الكبير و المتشعب في ما يعرف بعملية طوفان الأقصى و هي عملية اعجازية عسكرية نوعية كشفت وهن المخابرات و القوة العسكرية الصهيونية لكن العارفين يؤكدون أن إيران قد كانت شريكا فاعلا في هذا الانتصار التاريخي و بطبيعة الحال لا يختلف اثنان في مدى مساندة القيادة الإيرانية للمقاومة الفلسطينية في غزة و تمكينها من الدربة على تقنيات صناعة الصواريخ و المسيّرات . إن المجازفة بالحديث عن وجود تنسيق مهما كان نوعه بين إيران و الكيان هو محض هراء تجترّه بعض الأقلام السعودية المشلولة الهوية و الأخلاق و العداء الإيراني للكيان النازي المقيت لم يعد مجرد وجهة نظر بل هو حقيقة ساطعة مؤكدة ماثلة للعيان لا تحتاج إلى مزيد البيان بل لنقلها صراحة من حق إيران كقوة إقليمية أن تبحث عن مصالحها لكن هذا لا يعنى مطلقا أن إيران لا تساند بقوة قضية فلسطين التي خذلها العرب دون حمرة خجل و باتوا يمشون في قطار التطبيع الكريه متجاهلين دماء الشهداء و من المؤكد أن المقاومة الفلسطينية في غزة قد وجدت في إيران حلاّ لظلم و خيانة ذوى القربى من هذه الأنظمة العربية . من المؤكد أيضا أن اقتصار تقييم الرد الإيراني أو الصهيوني على موضوع الضربات المتبادلة هو تقييم عقيم و فاشل لان المواجهة مستمرة و حرب كسر العظم لا تزال فى بدايتها
كاتب و ناشط سياسي .
2024-10-29