إلى السّماء يا نساء غزّة يا فلسطينيّات…!

حَمَّه الهَمَّامِي *
“نحن باقون… نحن باقون برغم الآلام… طالما فينا طفل يرضع… لن نركع… لن نركع”. تصريح لسيدة غزّاوية وسط الرّكام
ما أروع نساء غزّة وما أعظمهنّ وأجملهنّ وأصبرهنّ وأشجعهنّ وأجدرهنّ بالحياة والحبّ والتقدير والإعجاب. هنّ العزّة وهنّ الكرامة وهنّ المجد وهنّ الخلود وهنّ الإباء وهنّ السؤدد وهنّ الإرادة وهنّ الصّمود… هنّ القاهرات الأبيّات المقاومات الثابتات الصابرات الصادقات الثائرات… خُلقت الأساطير لتروي لنا البطولات التي لا يتصوّرها خيال ولا يدركها عقل فإذا بنساء غزّة يأْتَيْنَ، واقعا لا وهما، ما لا يتصوّره خيال وما لا يدركه عقل داعيات أصحاب الأساطير لخلق أخرى جديدة، إن قدروا، لأنّه جاء من فاق فعله ما اعتبروه خوارق تستحيل محاكاتها أو الوصول إليها… جاءت نساء غزّة وما أدراك ما غزّة، مقبرة الغزاة منذ أكثر من ألف عام، مُثبتات أنّ “الإنسان لا يهزم” وأنّ “ابنة حوّاء” أقدر القادرين والقادرات، وأنّ “ناقص العقل والدّين” هو من احتقر امرأة أو أهانها أو حطّ من قيمتها أو عاملها معاملة سوء أو هضم لها حقّا أو أنكر لها مساواة بأيّ غلاف أيديولوجي كائن ما كان… طوال حرب الإبادة غير المسبوقة في التاريخ ظلّت نساء غزّة هنّ الرّكيزة وهنّ المحرار وهنّ المرجع والعنوان وهنّ الصّبر الذي ضجِر منه الصّبر… هنّ الأرض، هنّ تربتها وسمادها وشجرتها وزهرتها وثمرتها وماؤها ونورها وغذاؤها حتى لو قطع النّازي، المتوحّش، الكهرباء وخرّب القنوات وردم رغيف الخبز بالقنابل… لم تخطئ، يا صاحب رواية “الأمّ” حين اعتبرت المرأة رديف الأرض والوطن… فأضف إليهما أنّها رديف السماء والهواء والسّحاب والنجم والكون… واكتب… اكتب، أرجوك، حتى لو كنت في قبرك “لا كونَ بلا نساء ولا حياةَ بلا نساء ولا حريّةَ بلا نساء ولا كرامةَ بلا نساء ولا ثورةَ بلا نساء ولا اشتراكيّةَ بلا نساء بل لا شيءَ في الوجود بلا نساء… اكتب… اكتب وقل في الختام ألّا نساءَ بلا غزّاويات فلسطينيّات”… يكفي فخرا مقاوم غزّة أنّه “ابن أمّه” (ولد أمّو كما نقول في تونس تأكيدا لجدارة الشخص بقيمة ما)… “هبط” من رحم الغزّاويّة ليدكّ الوحش النّازيّ دكّا وهو يطلّ عليه من حيث لا يدري أو يتوقّع، من نفق أو من وراء حائط منهار أو من تحت ركام بيت أو مسجد أو كنيسة أو مستشفى… حتّى “الجنّيّ” حار في أمره واعتذر لمؤجّره الصهيوني وتركه يواجه مصيره وحده في وجه “الإنس الجنّيّ الغزّاويّ” العصيّ على التّرويض… هاتوا لي بقعة في العالم لا تتجاوز مساحتها 0.0000007059 من مساحة الأرض قادرة على تحمّل أعباء حرب إبادة يخوضها ضدّها لمدّة تقارب 16 شهرا “عالم” بأسره (العالم الرّأسمالي الغربي) ولا تستسلم… حتى ستالينغراد الأبيّة، مثال الصّمود في التّاريخ المعاصر، كانت جزءا من دولة اشتراكيّة عظيمة لها جيش جرّار وشعب عُمّاليّ جبّار يسندانها ويكسران الطوق من حولها… أمّا غزّة العزّة فمحاطة من كلّ حدب وصوب بالسّاقطين والسّواقط والسقّاط من حكّام الأعراب المتصهينين الذين يحاصرون ويشاركون في التجويع والتقتيل ويحرّضون “السّاقط ابن الساقط” على التسريع بإنهاء جريمته حتّى يخلو الجوّ لـ”صفقة القرن” مع علم أنّهم لا يدرون أنّ في انتظارهم “صفعة القرن”… حتّى “مختار” رام اللّه “الفلسطيني” وما هو بفلسطينيّ، ظلّ لا يرقد لا ليلا ولا نهارا خوفا من “أمر” يقضّ مضجعه، خوفا من انتصار غزّة… قال “ضِفّاويّ” أبيّ “الناتن ياهو يحاربنا كإرهابيين والسلطة تلاحقنا كمطلوبين”… “مطلوبين” بالطّبع للنّازي.
إلى السّماء يا نساء غزّة والصهيوني النّازي يوقّع اليوم على وقف الحرب دون تحقيق أيّ من أهدافه… إلى الأمام فمكانكنّ فوق الشّمس وفوق النّجوم بل مكانكنّ الكون قاطبة إن أمكن له أن يتّسع لصبركنّ وجلدكنّ وبأسكنّ… ما دام ثمّة نساء مثلكنّ في غزّة ففلسطين مآلها الحرية من النهر إلى البحر مهما طال الطريق وكثرت أشواكه وتعدّدت تعرّجاته ومنزلقاته… ومادام ثمة نساء مثلكنّ في العالم فالوحش الرّأسمالي الامبريالي الذي “لا دين له” غير الرّبح على جثث العاملات والعاملين والكادحات والكادحين والفقيرات والفقراء والمستضعفات والمستضعفين بل على جثث الشعوب، مآله الفناء… كي لا يبقى إلّا شيء واحد في الكون… كي لا يبقى في الكون إلا الحبّ… الحبّ الذي يمثّل العمق الإنسانيّ لكل نضال… الحبّ الذي يمثّل الشعور الوحيد القابل للبقاء والخلود… وهل ثمّة اليوم من قلب جدير بأن ينبض حبّا ويضيء الطّريق نحو عالم بلا كراهية ولا حقد ولا وحشيّة ولا لهث وراء الدولار، عالم بلا مصّاص دم وسالب حقّ ومنتهك حريّة ومجرم حرب، غير قلب المرأة الغزّاوية الفلسطينية الذي خبر كل المآسي والفجائع وذاق كل الآلام والأوجاع وظلّ مع ذلك… حبيب الحياة عدوّ الظلام…
أنتنّ الحرية والخلاص والحبّ والكرامة والعزّة والأمل والإنسانيّة…
إلى السّماء يا نساء غزّة يا فلسطينيّات، يا من أردتنّ الغناء بأنفسكنّ… غناء الحرّية والتحرّر والاستقلال.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
“ربّما تسلبني آخر شبر من ترابي…
ربّما تطعم لحمي للكلاب…
يا عدوّ الشمس لكن لن أساومْ
وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم”
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
حَمَّه الهَمَّامِي
تونس في 18 جانفي/كانون الثاني 2025