حضورها الجميل بيننا الَّذي لا شفاء منه..
(إلى أسم صديقتنا ورفيقتنا الكاتبة المعروفة والمناضلة الوطنيَّة والقوميَّة، الدّكتورة هدى فاخوري، الَّتي مرَّتْ ذكرى رحيلها منذ مدَّة قريبة)
سعود قبيلات*
ها نحن نتكلَّم بصيغة الغياب – مع الأسف! – عن صديقتنا الغالية، الدّكتورة هدى فاخوري.. هدى الَّتي كانت الأكثر حضوراً بيننا، وكُنَّا أكثرَ حضوراً بها، كما كانت الأكثر صدقاً وتفانياً في خدمة أصدقائها جميعاً.
مَنْ كان ينظر إلى هدى فاخوري مِنْ بعيد، كان يرى لها صورةً مضلِّلة.. صورة تبدو فيها عدوانيَّة، وشرسة، وربَّما فظَّة؛ لكنَّه، عندما يقترب منها، وتمنحه ثقتها، ثمّ في مرحلةٍ تاليةٍ تمنحه محبَّتها، يكتشف أنَّها إنسانة شديدة الطِّيبة، ومُحِبَّة، وعطوفة، وشُجاعة، ومبدئيَّة، وكريمة النَّفس، ومقبلة على الحياة بشغف، وتُشيع الفرحَ حولها بسخاء؛ وأنَّ هذه الصِّفات جميعَها هي أمرٌ أصيلٌ في نفسِها، وعميقُ الجذورِ وراسخٌ لديها؛ وأنَّها مجبولةٌ على الخير والصِّدق والمحبَّة. أمَّا العدوانيَّة والشَّراسة، فليست سوى قشرة رقيقة اكتسبتها مع الزَّمن في مواجهة الكثير من الظُّروف الصَّعبة الَّتي مرَّت بها، والتَّجارب المُرَّة الَّتي وضعها الآخرون فيها.
وكانت هدى تكره الزّيف، والكذب، والانتهازيَّة، والتَّقلُّب في المواقف؛ وبالمقابل، كان الكاذبون، والمتقلِّبون، والمزيَّفون، والانتهازيون، والمفرِّطون بالمبادئ والقيم الوطنيَّة، يكرهونها بشدَّة ولا يُطيقون الاقتراب منها؛ لأنَّها لم تكن تتوانى عن كشف حقيقتهم البشعة، وشجب أفعالهم المنحرفة، وتقريعهم.. مواجهةً وليس مِنْ وراء ظهورهم.
ذات مرَّة، كُنَّا نسير معاً في أحد المولات، فرآنا كاتبٌ معروفٌ وهو جالسٌ مع بعض أصدقائه في مقهى ستاربكس، فجاءوا للسَّلام علينا؛ لكنَّها لم تبادلهم المجاملة بالمثل، بل راحت تُقرِّعهم، قائلةً: كيف تجلسون في هذا المقهى الصّهيونيّ الَّذي يدعم المستوطنات الصّهيونيَّة في فلسطين المحتلَّة؟! أنتم، بهذا، تساهمون في دعم المستوطنات الصّهيونيَّة.
شعر الكاتب وأصدقاؤه بالحرج، ومضوا في سبيلهم؛ فقلت لها: شو بدِّك فيهم؟ يعني هُمَّا راح يغيِّروا سلوكهم هذا نتيجة تقريعك لهم؟
فقالت: حتَّى لو كان الأمر كذلك، يجب أنْ أقول لهم رأيي فيهم.
عرفتُها مِنْ قُرب خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة فقط، أي ابتداء من العام 2007؛ لكنَّني أشعر الآن كما لو أنَّ معرفتي بها تمتدُّ على مساحة حياتي كُلّها. ولذلك، فقد تركتْ، برحيلها، مكاناً كبيراً شاغراً في نفسي وفي نفوس جميع أصدقائها، وسيظلُّ هذا المكان شاغراً إلى الأبد.
جمعتْ بيننا، لأوَّل مرَّة، الحملة الانتخابيَّة لتيَّار القُدس في رابطة الكُتَّاب الأردنيين، الَّتي خُضنا غمارها معاً في صيف العام 2007. كان التَّيَّار قد عانى مِنْ هزائم متوالية ساحقة في الدَّورات السَّابقة، وبلغ اليأس بعددٍ مِنْ نُشطائه حدَّ أنَّهم طرحوا أمرَ حلِّه على مائدة البحث في ربيع العام 2007.
وقبيل الانتخابات بحوالي شهر، فوجئتُ بأنَّه تمَّ الاتِّفاق على ترشيحي على رأس قائمة التَّيَّار كبديل أخير لحلِّه. رفضتُ هذا الاقتراح بشدَّة، وانسحبتُ من الاجتماع الَّذي تمَّ تبليغي فيه باقتراح ترشيحي. لكن، بعد يومين، فوجئتُ بحضور عددٍ مِنْ أبرز نُشطاء التَّيَّار إلى بيتي ليبلغوني بإصرارهم على ترشيحي.
في النِّهاية، لم يكن أمامي سوى الاستجابة لطلبهم. والتَّفاصيل، في هذا المجال، كثيرة؛ لكنَّني سأقفز عنها إلى الجانب المتعلِّق بصديقتي الغالية الرَّاحلة، الدكتورة هدى فاخوري..
عندما شكَّلنا قائمتنا قرَّرنا أنْ تكون فيها زميلتان، وكان هذا يحدث لأوَّل مرَّة في تاريخ رابطة الكُتَّاب الأردنيين، وقد عُدَّ في حينه بمثابة مغامرةٍ انتخابيَّةٍ خطرة.
وأذكر أنَّ أحدَ الزُّملاء اقترح، في اجتماعٍ في بيتي، أنْ تكون الدّكتورة هدى فاخوري هي إحدى مرشَّحتينا (المرشَّحة الثَّانية كانت الدّكتورة مها العتوم، وقد فازتا كلتاهما). وبعد الاجتماع، همس زميلٌ آخر في أُذني، قائلاً إنَّ المقصود بترشيح الدَّكتورة هدى هو أنْ تكون لغماً ينفجر بي في حال فوز القائمة..
لكنَّ هذا سرعان ما تحوَّل إلى مفارَقةٍ كبيرة؛ فالإنسانة الَّتي كان مدبَّراً أنْ تكون لغماً ينفجر بنا، كانت في الحقيقة عاملاً أساسيَّاً مِنْ عوامل نجاح عملنا في الرَّابطة بعد فوزنا في الانتخابات!
ولقد خضنا حملةً انتخابيَّةً نشيطةً ومُعَدَّةً جيِّداً. وعندما فزنا في النِّهاية، كان فوزنا السَّاحق مفاجئاً، بل صاعقاً. وهذا ما عبَّرتْ عنه وسائل الإعلام المختلفة، إلى حدِّ أنَّ إحدى الصُّحف الخليجيَّة كتبت عن ذلك تحت عنوانٍ كبيرٍ هو: انقلاب أبيض في رابطة الكُتَّاب الأردنيين.
وبسرعة، اكتشفتُ إمكانات هُدى الهائلة وروحَها الطِّيِّب وأخلاقَها العالية وحسَّها الإنسانيَّ المرهف، ما إنْ بدأنا العمل في الهيئة الإداريَّة للرَّابطة، حيث إنَّها تولَّتْ، بتأييد غالبيَّة الزُّملاء، منصبَ أمين السِّر.
كانت هُدى أكثرَنا انهماكاً في العمل. فقد كُنَّا نحن، رئيس وأعضاء الهيئة الإداريَّة، نذهب إلى مقرِّ الرَّابطة لعقد الاجتماع الدّوريّ الأسبوعيّ الَّذي كان يستغرق حوالي ساعتين ثمّ نعود إلى بيوتنا؛ أمَّا هُدى، فكانت تذهب إلى مقرِّ الرَّابطة يوميَّاً، وفي الكثير من الأحيان كان عملها هناك يمتدُّ حتَّى منتصف الليل.
وبعد مُدَّة قصيرة مِنْ فوزنا، أُبلِغنا برغبة رئيس الوزراء، آنذاك، الدّكتور معروف البخيت، بزيارة مقرّ الرَّابطة والالتقاء بالهيئة الإداريَّة. وفي أثناء زيارته، طرحنا عليه مطالب عديدة، مِنْ بينها مطلب إيجاد مقرِّ جديد لائق للرَّابطة. فلم يقدِّم لنا وعداً جازماً في هذا المجال؛ وعندئذٍ، قالت له هدى مازحةً: لقد أغلقنا باب الرَّابطة عليك، ولن نسمح لك بالخروج إلَّا إذا اتَّخذتَ قراراً بدفع تكاليف استئجار مقرٍّ جديدٍ للرَّابطة؛ فضحك، وأمر بأن تتكفَّل أمانة عمَّان ووزارة الثَّقافة بدفع تكاليف أجرة المقرّ الجديد مناصفة عند استئجاره.
والحقيقة، أنَّ الدّكتورة هدى كانت أيضاً وراء جمع مبالغَ كبيرةً مِنْ أموال التَّبرّعات (من القطاع الخاصّ والقطاع الحكوميّ) لدعم أنشطة الرَّابطة المختلفة وسدِّ الكثير مِنْ مصاريفها، بعدما كُنَّا قد استلمناها مفلسةً تقريباً.
وفي المقابل، ظلَّتْ هدى، طوال الدَّورتين اللتين أمضتهما في الهيئة الإداريَّة للرَّابطة، ترفض رفضاً باتَّاً المشاركة في أيِّ وفدٍ مِنْ وفود الرَّابطة إلى خارج البلاد.
بعد انتهاء دورتينا الانتخابيَّتين ومغادرتنا مواقع المسؤوليَّة في الرَّابطة، شاركنا (الدّكتورة هدى وأنا) في تأسيس «الجبهة العربيَّة التَّقدُّميَّة» مع نخبةٍ من المناضلين التَّقدُّميين العرب البارزين، وأصبحنا عضوين في هيئتها القياديَّة العليا. وفي الوقت نفسه، انهمكنا معاً في أنشطة الحِراك الوطنيّ الأردنيّ.
ولاحقاً، شاركنا مع آخرين في الاجتماع التَّأسيسيّ لـ «لجنة المتابعة الوطنيَّة» الَّذي عُقِدَ في صيف العام 2018 في بيت صديقنا ورفيقنا العميد المتقاعد الدّكتور علي الحباشنة، رئيس اللجنة العُليا للمتقاعدين العسكريين.
وأصبحت هدى في الهيئة القياديَّة العُليا (المكتب التَّنفيذيّ) للجنة المتابعة الوطنيَّة منذ تشكيلها، وكانت مِنْ بين الرَّفاق الأكثر نشاطاً في اللجنة، كما كانت مِنْ بين القلَّة الَّذين واظبوا على الاعتصام قرب الدّوّار الرّابع خلال الفترة الواقعة ما بين العام 2018 وبين العام 2020 عندما تفشَّى وباء كورونا وتمَّ فرض الحجر الصِّحيّ على البشر جميعاً.
لقد كانت هدى فاخوري، بالنِّسبة لجميع أصدقائها، صديقاً صدوقاً يُعتمد عليه أفضلَ اعتمادٍ (اخترتُ مفردة صديق بدلاً مِنْ صديقة، لأشمل الجنسين).. بل إنَّها كانت، أكثر مِنْ ذلك، إنساناً قلَّ نظيره.
وكان حضورها قويَّاً جدَّاً في حياتنا، نحن أصدقاءها؛ لذلك، كثيراً ما أضبط نفسي وأنا أفكِّر وأتصرَّف كما لو أنَّها لا تزال على قيد الحياة وتعيش بيننا ويمكن أن أذهب إلى بيتها وأُدير معها حواراً عميقاً وراقياً، كالعادة، أو حتَّى لأجلس صامتاً..
وبرأيي، الصَّديق الجيِّد هو ذاك الَّذي تستطيع أن تجلس معه صامتاً ما شئتَ من الوقت، مِنْ دون أنْ تشعر بأنَّك تُثقِل عليه بصمتك، أو أنَّ الصَّمتَ المتبادَل يُشعِرك بالملل.
أفكِّرُ على هذا النَّحو، ثمَّ لا ألبث أنْ أتذكَّر الحقيقة المؤلمة والفاجعة، وهي أنَّ صديقتنا الطِّيِّبة، هدى فاخوري، لم تعد بيننا، وأنَّ حوارَنا معها أصبح باتِّجاهٍ واحدٍ، وكلامَنا المتعلِّقَ بها أصبح عنها وليس لها..
تقول صديقتنا الدَّكتورة مها العتوم في كلمتها الَّتي شاركتْ بها في حفل تأبين هدى: «وأفكِّرُ بمهاتفتها كلَّما اشتقتُ إليها، أو احتجت للكلامِ إلى صديقةٍ قريبة».
وهذا ما يحدث معي، أنا أيضاً، في الكثير من الأحيان، ويبدو أنَّه لا شفاء منه؛ فبينما أنا أكتبُ هذه الكلمات، فكَّرتُ، للحظة، في أنْ أرسلها إليها، لأعرف رأيها فيها!
https://www.facebook.com/share/p/17iXGcG85z/
2024-11-07