إلغاء عطلة 14 تموز 1958: محاولة يائسة لمحو منجز وطني من ذاكرة العراق!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في سياق متسارع لتصفية رموز الذاكرة الوطنية العراقية، برز قرار إلغاء عطلة الرابع عشر من تموز ــ ذكرى ثورة عام 1958 ــ كحلقة جديدة في مسلسل طمس الرموز، وتزييف التاريخ، وتهميش المحطات المفصلية التي شكلت وعي العراقيين وهويتهم الوطنية الحديثة. قرار كهذا، مهما حاول مروّجوه تغليفه باعتبارات “تنظيمية” أو “سياسية”، لا يمكن فهمه إلا في ضوء مشروع أوسع لإعادة رسم التاريخ العراقي وفق هوى القوى الطارئة التي أمسكت بمفاصل السلطة ما بعد عام 2003، والتي وجدت في الجمهورية الأولى وما تمثله من طموح شعبي، تهديدًا رمزيًا لنموذجها القائم على الطائفية، والمحاصصة، والارتباط بالمصالح الأجنبية.
ثورة 14 تموز: ميلاد الجمهورية ونهاية العهد الملكي
مثّل صباح 14 تموز 1958 لحظة تحوّل تاريخية في تاريخ العراق الحديث. ففي ذلك اليوم، أسقط الجيش بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم النظام الملكي، وأُعلن قيام الجمهورية العراقية. لم يكن هذا الحدث انقلابًا عسكريًا تقليديًا فحسب، بل كان تتويجًا لعقود من التململ الشعبي، والرفض الجماهيري لحكم نُخب ضيقة تحالفت مع الاستعمار البريطاني وسحقت آمال الأغلبية الكادحة.
إن مجمل السياسات التي انبثقت عن ثورة 14 تموز: من قانون الإصلاح الزراعي، إلى مجانية التعليم، إلى تعزيز السيادة الوطنية والانسحاب من الأحلاف الغربية، كانت تصبّ في اتجاه بناء دولة وطنية مستقلة ذات طابع اجتماعي تقدمي. صحيح أن تلك الثورة لم تكن مثالية، وواجهت تحديات داخلية وخارجية جسيمة، لكنها منحت العراقيين لأول مرة شعورًا بأن الدولة يمكن أن تكون لهم، لا عليهم.
ما بعد 2003: ذاكرة ممزقة وهوية مأزومة
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، دخلت البلاد في مرحلة جديدة من التناحر السياسي والاجتماعي. ساد خطاب طائفي ومذهبي بغيض، وسُحقت الهوية الوطنية تحت وطأة مشاريع تقسيمية مدعومة إقليميًا ودوليًا. وفي ظل غياب مشروع وطني جامع، لجأت السلطات الجديدة إلى إعادة إنتاج الذاكرة التاريخية على نحو انتقائي، يحذف ما لا يخدم مصالحها، ويُضخّم ما يعزز شرعيتها المهزوزة.
في هذا السياق، أصبح الرابع عشر من تموز عبئًا رمزيًا على السلطة. فهو يذكّرهم بعصر لم تكن فيه الهويات الفرعية هي القاعدة، ولم تكن المليشيات هي الدولة، ولم تكن السيادة مرهونة بإرادة السفارات. فهل من الغريب أن يسعوا إلى شطبه من الرزنامة الوطنية؟
إلغاء العطلة: فعل رمزي بخلفية أيديولوجية
إن إلغاء عطلة 14 تموز ليس مجرد قرار إداري، بل هو موقف أيديولوجي يعكس موقفًا من التاريخ نفسه. إنه إعلان ضمني بأن النظام الحالي لا يرى في الثورة الجمهورية سوى “خطيئة” ينبغي التكفير عنها، لا منجزًا وطنيًا يُحتفى به. هذه المحاولة تنتمي إلى ذات العقلية التي تريد كتابة تاريخ العراق وفق منظور ضيق، حيث لا تُذكر إلا التواريخ التي تناسب التوازنات الطائفية، ولا تُخلَّد إلا الأسماء التي تُرضي المراجع السياسية والدينية.
لكن التاريخ ليس ملكًا للسلطة، بل هو ملك للشعب. وقد أثبت العراقيون في أكثر من مناسبة أن ذاكرتهم الجمعية أقوى من أي محاولة طمس أو تشويه. فقد استعادوا ذكرى ثورة 14 تموز مرارًا رغم محاولات تشويهها في عهود متعددة، من البعث إلى الاحتلال.
من ذاكرة الوعي إلى ضمير المقاومة
إن استحضار ذكرى 14 تموز اليوم لا يهدف إلى تمجيد أشخاص أو تغطية الإخفاقات التي وقعت لاحقًا، بل هو استدعاء لذاكرة مقاومة، لمرحلة حلم فيها العراقيون بدولة المواطنة، وبحياة كريمة، وبكرامة وطنية غير مرتهنة للهيمنة الخارجية. ولذلك فإن التمسك بهذه الذكرى ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو فعل مقاومة رمزية في وجه الانحدار السياسي والأخلاقي الذي نعيشه اليوم.
ليست العطل الرسمية سوى مؤشرات رمزية لما تختاره الدولة لتخلّده. وعندما تختار السلطة الجديدة أن تشطب الرابع عشر من تموز، فهي تقول بوضوح: إن هذا اليوم لا يعنيها، وإن القيم التي حملها ـ من العدالة الاجتماعية، إلى السيادة الوطنية، إلى وحدة الشعب ـ لا تجد لها مكانًا في مشروعها.
خاتمة: التاريخ لا يُمحى بقرار
قد يُلغى يوم الرابع عشر من تموز من السجلات الرسمية، ولكن لن يُمحى من ذاكرة الأحرار. ستبقى تلك اللحظة، بكل ما لها وما عليها، علامة فارقة في نضال العراقيين من أجل الكرامة والاستقلال. وستبقى ذكراها حيّة في القلوب والضمائر، رغم صخب المحو والتشويه.
لقد حاول صانعو القرار أن يشطبوا تاريخًا لم يصنعوه، فوجدوا أنفسهم في مواجهة ذاكرة لا تموت. فالتاريخ الحقيقي، مثل الماء، يشق طريقه حتى في الصخر.
2025-06-05
