إعلام مصر: صلاح الدين أحقر البشرية ويزيد العنف عند الأطفال!
25 حزيران 2017
صائب خليل
مقدم البرنامج يسأل الكاتب المصري يوسف زيدان إن كان صلاح الدين “يزيد إحساس العنف عند الأطفال”؟ فيؤكد له ذلك بصمت مهيب وهزة من الرأس توحي بالحزن والأسف، ثم يضيف بأن صلاح الدين “واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني”!
والسبب الذي يقدمه الكاتب لهذا اللقب، هو القصة التالية التي تلخص بنقطتين:
1- الفاطميين حكموا مصر 250 عاماً يتناسلون فيها
2- ثم جاء صلاح الدين فقام بـ “الجريمة ضد الإنسانية” حسب وصف زيدان، وذلك بأن عزل الذكور عن الإناث، من الوليد وحتى الرجل الذي عمره 100 عام، لكي يمنع تناسلهم! والهدف طبعا القضاء على الفاطميين، آل البيت!
لنراجع منطقية القصة أولا.. وتخيل نفسك صلاح الدين الأيوبي، وأنك تضع خطة للقضاء على نسل مجموعة من الناس. ما هي الحلول التي تمر بخاطرك؟
1- أن تقتلهم جميعا وتنتهي من الموضوع (وهذا ليس صعباً اخلاقياً في ذلك الزمان).
2- إذا صعب هذا الأمر فيمكنك ان تكتفي بقتل الذكور وينتهي من الأمر.
لكن حتى هذا الحل كان كما يبدو صعباً على ضمير “أحقر شخصية في تاريخ الإنسانية”، فقرر فصل الذكور عن الإناث فقط! وهذا يجعلنا نشكك ان حصوله على ذلك اللقب كان فيه غش، أمام منافسين من أمثال من هجروا شعوبا واستوطنوا بلدانهم وآخرين أبادوا شعوبا أو ألقوا بالقنابل النووية وسط السكان العزل في ساعة الزحام الشديد في بداية الدوام.
ولكي ندرك أي عناء يجب ان يتجشم هذا الرجل لكي يريح ضميره، دعونا أولا نحسب عدد الفاطميين التقريبي.
لنفترض أن عدد الفاطميين عندما بدأوا حكم مصر، كان مئة رجل وامرأة فقط. ولو حسبنا التكاثر البشري مالم يعقه نقص في الغذاء او غيره، لوجدنا انه يتضاعف حسب عدد الأطفال، كل جيل. ولنقل ان الجيل في ذلك الوقت وهو من ولادة الطفل حتى زواجه يبلغ 20 عاماً (وتصوري انه اقل من ذلك، خاصة بالنسبة للنساء). وأن كل عائلة فيها كمعدل 4 أطفال (واحتمال ان يكون أكبر). وفي هذه الحالة فأن العدد يتضاعف كل جيل. وهذا بافتراض ان الفاطميين لن يتزوجوا من غيرهم!
ولو قسمنا الـ 250 عاما على 20 لكان لدينا أكثر من 12 جيل. وهذا يعني انه سيكون لدينا أكثر من 400 ألف انسان! (لمن يحب ان يطلب مني الحسابات، أنا جاهز). ولنقل إننا بالغنا في الحسابات في مكان ما، ولنقسم هذا الرقم على 4، فيكون لدينا 100 ألف انسان!
والآن تخيلوا 50 ألف امرأة وطفلة يجب ان يمنعوا من الاتصال بـ 50 ألف رجل وصبي. كم يحتاج هذا من إدارة ومراقبة؟ هل كانوا سجناء؟ من الذي يقدم لهم الطعام ويعمل من اجلهم في ذلك الزمان الشحيح؟ من الخمسين ألف ذكر، يفترض ان يكون هناك ما يقارب 10 الاف طفل، بعيدين عن امهاتهم! من الذي يعتني بهذا الجيش من الأطفال؟ فـ “الغبي” الذي هزم جيوش الفرنجة في أطول وأقسى حروب التاريخ، لم يكن يعلم أن الأطفال لا يتناسلون فعزل، حسب زيدان، الجميع من الوليد وحتى عمر 100 عام.
وطبعا يبدو أن هذا “الغبي” الذي حير الغرب، لم يفكر انه سيموت يوما، وأنه من المحتمل جدا ان يسمح لسجنائه بالاختلاط بعد ذلك وتذهب كل جهوده هباءاً. ولم يستطع ان ينهي الأمر بالتخلص من ذكورهم. ويبدو انه لم يكن يستحق اللقب الذي منحه له زيدان.
طرحت السؤال للاستزادة على صديقي علاء اللامي، المتابع التاريخي الممتاز، فأشار إلى أن الكتاب الذي استأنس به زيدان(1) لم يقل إن صلاح الدين عزل ذكورهم وإناثهم، بل قال: «بقِيّتهم فِيها إلى اليوم (سنة 617 ،أي بعد وفاة صلاح الدين بـ 28 عاماً!) فكانوا يتناسلون ثم منعوا النّكاح لينقطع النّسل ويذهب الفرع والأصل». فحتى ان صحت رواية منع الاتصال على صعوبة تصديقها، فمصدر زيدان يقول إنها لم تتم إلا بعد وفاة صلاح الدين، فكيف ألصقها يوسف زيدان به؟ أليس هذا كذب مع سبق الإصرار والترصد؟
كذلك كتب ابن كثير، الذي اعتمده زيدان أيضا، في تاريخه «البداية والنهاية» أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون أمر بترحيل عليّ ومحمد ابني سليمان بن داود بن سليمان بن الخليفة الفاطمي العاضد، آخر الخلفاء الفاطميين! وكان ذلك في 738 هـ (أي أنه كان هناك آخر خلفاء الفاطميين بعد قرن ونصف من وفاة صلاح الدين).! فكيف يدعي يوسف زيدان أنهم انقرضوا؟
ما أشرنا اليه أعلاه، واحدة من أكاذيب الحملة الشعواء لشيطنة صلاح الدين، وإثارة الشيعة ضده. ويبدو أنها قد نجحت نجاحاً مذهلا. وصار التشكيك بها يثير عن الكثيرين منهم ليس الرفض فقط، وإنما الغضب! وصار حتى الشباب الذي لم يقرأ كتابا واحداً في التاريخ مستعد ان يدافع عن تلك الأكاذيب وكأنه درسها وتعمق فيها. إننا نرفض أن نجمل تاريخنا عنوة بالأكاذيب كما تفعل معظم الشعوب، وننتظر من الأستاذ علاء اللامي بحثا سينشره مسلسلاً، لمراجعة الحقائق المتعلقة بصلاح الدين الأيوبي لنعرف ما هو الصحيح وما هو الكذب. فكما نرفض تجميل التاريخ عنوةً بالأكاذيب، نرفض أيضاً وبشدة أكبر أن يتم تشويهه عنوة بالأكاذيب. ولنلاحظ ربط الضغط الأمريكي لتغيير المناهج السعودية بالملاحظة الباهتة لمقدم البرنامج بأن سيرة صلاح الدين “تزيد إحساس العنف عند الأطفال”، وليس أبشع أفلام والعاب العنف التي تنتجها أميركا خصيصاً للأطفال!
يبدو لنا من المقدمات أنها حملة وراءها من يهمه تحطيم علاقة المسلمين التاريخية بالقدس وأنتم وأنا نعرف من هم، ونعلم أنها ليست القضية الأولى في هذا المجال. إنهم ذات الذين دفعوا بعض الجهات لتغيير اسم بابل، وهم الذين دفعوا المخرج قاسم حول ليقدم نبوخذ نصر بشكل هزيل ومفتعل في أحد أفلامه، وهم الذين ينشرون الصور المزيفة لفرهود اليهود ويقيمون المعارض استنادا إليها في كردستان.
ومثلما أطلقوا قبلاً بين السنة على “حزب الله” لقب “حزب اللات”، أطلقوا اليوم بين الشيعة على صلاح الدين لقب “خراب الدين”، سعيا لتحويل ابطال المسلمين إلى خطوط شقاق طائفية إضافية، وتشويهها. ويمكنكم ان تتخيلوا كيف سيكون حال كل أبطال المسلمين شيعة وسنة، إن استمرت هذه الحملات دون رادع.
وما هو الرادع؟ دعونا نقلب الأمر: كلما حاولوا تشويه شيء، أن نزيد معرفتنا به. وإن كان يستحق، أن نزيد اعتزازنا به! حين أطلقت حملة تغيير اسم بابل اقترحت ان نزيد اعتزازنا ببابل بأن نقرأ المزيد عنها ونشرت وكنت انوي المزيد، وكذلك الأمر بالنسبة لنبوخذ نصر، ونشرت نادية عدنان وآخرين معلومات عن الفرهود وتهجير اليهود، وضعت القضية في حجمها الحقيقي، ومسؤولية الصهيونية عن التهجير، كما كشف زيف الصورة، ويكتب اليوم علاء اللامي دراسة عن صلاح الدين.
لنبحث عن الحقيقة كما هي وننشرها، لا كما يريدون فرضها عنوة بالأكاذيب وبالقصص غير المعقولة. فهكذا فقط نستطيع الرد.