أيقونات الثورات المُصطنعة!
رنا علوان
شهدت المُجتمعات مؤخرًا ، ظاهرة الثورات المُصطنعة ، والملوّنة وغيرها ، ومن أجلها يتم صناعة رمز او أيقونة كما الثائر الحقيقي
وعلى هذا الأساس ، ومع مرور الوقت وتكاثر الأيقونات الثورية يتم نزع [ راديكالية الثورة ] وقتل أي حراك خلال مسيرة الثورة ، فضلًا عن طرح قضية “الصراع الطبقي” على جدول الأعمال ، هنا ، تُنزع فئة مٌختارة يُطلق عليها “شباب الثورة” أو “أيقونات الثورة” وتتماهى أو تختفي خلف هذا الأسم كل المطالب الثورية لعديد من الطبقات التي عانت وخرجت بالأساس من أجل تحصيل حقوقها
في أروقة وكالات الإعلام الكبرى (عربية وغربية) ومراكز التفكير والتحليل المهتمة بشؤون الشرق الأوسط ، تمخضت سردية جديدة عن “الثورات الربيع العربي ” على صعيدين ، الأول هو خلق “أيقونات ثورية” عبر نظرة إستشراقية تعمل على إجترار التاريخ وحبس الحاضر الثوري وأي إمكانية للمستقبل في رمزية الماضي ، إلى جانب صناعة نُخب ثورية تُكرّس لإغتراب الثوري وإبتعاده عن الجماهير المتفاعلة معه لصالح شاشات الميديا ، ولقاءات الصحف الغربية ، ما يُهدد بتفتيت المد الجمعي لأبناء الشعب
الصعيد الثاني هو تحييد راديكالية الثورة ضد التدخل العربي ، وتحديدًا الخليجي ، الذي عمل إستنزاف بعض الثروات العربية لأهداف مُعيّنة ، وخصوصًا المحاصيل الزراعية ، وهذا عبر إخراج الهامش الفقير من الصورة تمامًا وتجاهل أي سياق للصراع الطبقي للثورة
هذا ليس نقدًا لهؤلاء الأيقونات المُزيفة التي لن تكون إلا ضحية للشائعات ، سرعان ما ستسقُط ، بل هو نقد لفكر الأيقونات ذاته ، نقد لكل من يَسلب منا الفعل ويصنع لنا المسارات لننزلق فيها
إن الرواية الإستشراقية للأحداث الثورية في المنطقة تبدو حتميّة للشعوب العربية ، حيث يتم وضعنا دائمًا في [ أيقونة ماضٍ رجعية ] ، ليصل المحلل المُستشرق أو الغربي أو وسيلة الإعلام عربية كانت أو غربية إلى ما يُعرف بـ “الاستثنائية/ الخصوصية العربية”
وهي التي تجعل من العرب مُتخلفين ورجعيين ولا يمكن أن يكونوا ديمقراطيين لأسباب إجتماعية وثقافية محضة بل قد يصل أمر تدهور أحوال بلادنا السياسية والاقتصادية بجيناتنا الوراثية
ونتحدث هنا بصيغة الجمع لأن هذا التحليل الاستشراقي لا يقتصر فقط على بلد عربي وحده بل يتعلق بغالبية دول ما بعد الاستعمار في المنطقة
فنجد النظرة لدول ما بعد الاستعمار مبنية على عدة أسس نختصرها في الآتي :
دونوية الآخر ، والحط من قيمته ، أي أنهم (عرب، أفارقة، مسلمون… إلخ) يختلفون عن” نحن ” (الغرب ، الأوربيين خصوصًا) بنظرة تعال
إن قراءة الأحداث في منطقتنا عبر اللجوء إلى المنطق الصوري ونزعنا من أي صيرورة أو حركة للتاريخ وحصرنا في الماضي ويتم قياسنا معياريًا كـ “آخر” يُقارن ب “نحن ، والتي هي جمع للأنا الغربية”
فضلًا عن ، الأسطورة والغرائبية فالشرقي ما هو إلا مجموعة من الأساطير الغامضة والأحاجي التاريخية التي يجب تقديمها للغربي ليحاول فك طلاسمها ، فالشرقي أقرب إلى قطعة اثرية بالية ، من كونه إنسانًا له حقوق يُطالب بها
ما سبق من أسس لا تقتصر على الغرب وتصوراته للشرق الأوسط بشكل فردي بل صار منهجًا وعلمًا للتعبير عن الشرق وأحداثه الكبرى حتى من قبل النُخب الثقافية [المحلية] والإعلام الناطق بالعربية
ولنبدأ بإسقاط الأفكار السابقة على حالة [أيقونة الثورة العربية ] حيث انطلقت الصحف العربية والغربية لتتحدث عنها بصفة “الآخر” الذي خرج فجأة ليبهر “العالم”، فهي أولًا “امرأة” وهذا الجزء من العالم معروف أن الرجال فيه همجيون وغير ديمقراطيين ، فماذا عن هذه المرأة المسحوقة وهي تنادي بالديمقراطية ، في ظل مُجتمع مُحافظ وصولًا الى [ الكبت والقمع ] بنظرهم ، يا لها من حالة غرائبية تستدعي لتدخل الرجل الغربي والنخب العربية لتتبارى في تقديم رؤيتها عن المشهد وتحليلها وحجز هذه المرأة في “إطار أسطوري” ، لنرى فيضانًا من الرسوم ، بُغية إبرازها كي تحذو الأخريات حذوها
نحن شعوب مسؤولة عن أفعالها ، تُنادي بالحُرية دون أن تعرف طريق مراكز الديمقراطية الأمريكية والغربية ، تتعلم الممارسة الثورية دون تنظيرات كتيبات اللاعنف ، لا تؤمن بنظرية المؤامرة ولكن تتعلم من تجاربها ، تضع احتمالات للمستقبل المفتوح عبر التفكير والكتابة في القضايا العاجلة والراهنة عبر توزان دقيق بين الحُكم الشخصي والمنظور الواقعي
2023-03-07