أيام مع مروان البرغوثي ٣
من ذكريات الاجتياح عام ٢٠٠٢
محمد يوسف.علاء ابو منصور.
في المستودع..
قبل منتصف الليل بقليل تقدمنا زياد وسط العتمة باحثًا عن مفتاح الضوء في المستودع وتبعناه. اغلقنا الباب وبسرعة باشرنا باغلاق الشقوق التي يمكن ان يتسرب منها النور للخارج، وكدسنا أعدادًا كبيرة من صناديق البضاعة وهي كثيرة جدًا أمام أبواب المستودع الستة. ساعتان ونحن نتصبب عرقا.
انشغل زياد ومروان بضبط الصورة في التلفزيون ذو اللونين الأبيض والأسود، ما اضطر زياد إلى الوقوف مطولا حاملا الانتين بيده فيما يجول مروان على المحطات محاولًا التقاط صورة اوضح، وهو يرشده للتحريك يسارا ويمينا، صعودا وهبوطا. بدت محطة تلفزون فلسطين الرسمي بائسة الاداء ومتأخرة عن الحدث، وبلهجة تفتقر للروح التي تقتضيها المعركة. اضطر مروان إلى الاتصال بمسؤول التلفزيون منبها لخطورة الأمر . في النهاية استمعنا لنشرة اخبار الجزيرة عبر تلفزيون وطن.
استيقظت صباحا على مكبرات الصوت: (ممنوع التجول). ما يزال مروان وزياد يغطان في النوم. ابتل فراشهما بمطر نز من السقف ليلًا. استيقظا عند الواحدة ظهرًا. على شاشات التلفاز أرتال دبابات تحاصر مقر المقاطعة في رام الله، ومجنزرات تزرع الرعب في شوارع المدينة.
اتفقنا على الاقتصاد في كل شيء، وعلى تقليل الاتصالات الهاتفية لاقصى درجة، ومع الوقت اعتدنا تدبر امورنا، نتحرك بهدوء والحديث همسًا. تعلمنا كيف نتعايش مع العتمة، واكتفينا بتناول وجبة طعام واحدة يوميًا. يا لعظمة قدرة البشر على التكيف في أوقات الأزمات! لم اتخيل ان الشهية تتراجع على هذا النحو! وجبة طعامنا اليومية اليتيمة علبة فول او لحمة او سردين لثلاثتنا، ورغيف خبز من قطع صغير لكل منا، وكوب شاي. كانت هذه كافية لسد جوعنا طول النهار وتبدو وجبة لذيذة للغاية. عند النوم كنت اترك رفيقي يتابعان الأخبار ، وأتحسس طريقي لموقع نومي خلف أكداس الصناديق. بين الفينة والأخرى كان زياد يتسلل هامسا لي بخبر سمعه من الراديو.
ترددت في الحي أصوات انفجارات ورشاشات وطائرات اباتشي. تخيلنا انهم يفتشون حينا. ربما يقتحمون مستودعنا! كان الغموض مصدر قلقنا الاساس. من استشهد من رفاقنا؟ من أسر؟ مشهد قاس وقد ظهر صخر حبش عضو اللجنة المركزية لفتح يقتاده جنود الاحتلال الذين اعتقلوه وعدد من المناضلين من عمارة النتشة وسط المدينة.
ما عاد هناك مصادر للأخبار سوى ما تبثه الفضائيات والاسرائيليون جاهزون للتهويل. لم يكن مروان مطمئنًا لوجودنا في المستودع! كثيرًا ما كرر علي: هل انت مطمئن يا أبا علاء؟ كنت ارد: انني مطمئن طالما ان احدا لا يعرف بوجودنا هنا، ثم ليس لدينا بديل أفضل. يقول: ما رأيك ان نتسلل إلى قرية المزرعة الغربية ونتخفى عند صديق هناك؟ كنت ارد: نحن لا نعرف ما يدور خارج المستودع والأمر ليس مأمونا. كان مروان يصمت لكن رغبته في الخروج ظلت طاغية. كنت اهمس لنفسي قلقا: ماذا لو اعتقلنا في المستودع لا سمح الله؟! تخيلته يعاتبني حينئذ: انظر اين وصل بنا اطمئنانك يا أبا علاء! الى السجن!
لهذا السبب غامرنا وانتقلنا إلى شقة شارع القدس
2020-04-18
2020-04-21