أوروبا بين مطرقة الإرهاب وسندان كوفيد 19!
اعلية العلاني *
لم يكن من السهل على الأوروبيين هَضْم التحوّلات الكبرى التي يمر بها العالم ما بعد سقوط دولة داعش ومقتل زعيمها أبو بكر البغدادي في 2019. وما تزال تداعيات الحرب على داعش تُقضّ مضجع الأوروبيين الذين شهدت بلدانهم في الأسابيع الأخيرة عمليات إرهابية فظيعة خاصة في نيس وفيانا لم تُوقفْها جائحة كورونا. فكيف تعامل الاتحاد الأوروبي مع هذه المستجدات؟ و هل يستطيع تحييد ظاهرة التطرف العنيف؟
1) هل تحُلّ المقاربة الأمنية الأوروبية مشكل التطرف العنيف؟
تُشكل ظاهرة التطرف العنيف مصدر قلق للاتحاد الأوروبي فقد عرفت أوروبا بين 2015- 2020 أكثر من 100 عملية إرهابية (100 فقط إلى غاية 2019). كما تمّ خلال هذه الفترة اعتقال حوالي 3100 شخص وبلغ عدد القتلى 370 (انظر مقال حسن زنيند، معركة الحسم، دوتشي فيلله، 05/11/2020). هذه الحصيلة دفعت الاتحاد الأوروبي لدق جرس الإنذار، فقد تحدّث الرئيس ماكرون عن خطر الانفصالية الإسلامية على الاستقرار الأمني ببلاده. ولفت أوروبيون آخرون النظر إلى ما يسمونه بمشروع أسْلمة أوروبا من طرف تيارات الإسلام السياسي والتيارات الجهادية بأوروبا. وتواترت عمليات الطعن والذبح والدهس من طرف تيارات التطرف العنيف وخاصة داعش في العديد من الدول الأوروبية. وسيطر مناخ من الرعب والخوف على حياة الأوروبيين نتيجة تلك العمليات. واكتفى الأوروبيون لحد الآن بانتهاج أسلوب المقاربة الأمنية في ظل عدم نجاح بعض تجارب التأهيل التي خاضتها مراكز مخصصة في الوقاية من الراديكالية والتطرف العنيف التي لم تفلح في تحييد الظاهرة الإرهابية.
وبعد عمليات دريسدن، باريس، نيس، وفيانا بين أكتوبر ونوفمبر 2020 عاد الحديث بقوة إلى ضرب البُنْية التحتية لهذه التيارات المتشددة، وقررت عدة بلدان أوروبية مَنْع استقدام أئمة من الخارج ورسْكلة الأئمة الحاليين على ضوء التشريعات الأوروبية. ومراقبة تمويلات وبرامج العديد من الجمعيات المدنية والمدارس المنتصبة على الأراضي الأوروبية. ولئن كان هذا الإجراء ضروريا لمنْع تسرّب المتشددين إلى الفضاءات الدينية (مساجد وجمعيات ومدارس إلخ) في أوروبا فإنه لا يمكن فهْمُ الربط بين الإسلام والإرهاب، وكأنّ كل المسلمين في أوروبا الذين عاشوا عقودا من التعايش والمصاهرة أصبحوا اليوم بقدرة قادر مصدر خطر على أوروبا. وعادت من جديد ظاهرة الإسلاموفوبيا التي استغلها اليمين المتطرف كعنصر هام في حملاته الانتخابية. ولا ننسى أن المسلمين يُشكّلون 2 بالمائة من مجموع السكان الأوروبيين (سكان أوروبا في 2020 بلغ 447 مليون نَسَمَة منهم 34 مليون مسلم) وغالبيتهم العظمى لا يتفقون مع الأطروحات الراديكالية الدينية.
2) حتى لا تُغَذّي تداعيات كوفيد 19 موجة التطرف العنيف في أوروبا
لا شك أن تداعيات كوفيد 19 شديدة على الاقتصاد الأوروبي خلال السنوات القادمة. ويتحدث خبراء الاقتصاد هناك عن تراجع الناتج الداخلي بنسبة 8 بالمائة وارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 7 بالمائة (تحديدا 7،2 بالمائة) بسبب التغيّر العميق في هيكلية الاقتصاد. وهذا سيُفرز أعدادا هامة من المُهمَّشين، خاصة ضمن الجالية المسلمة في أوروبا، ربما يلتجأ جزء قليل منهم إلى الجريمة المنظّمة أو الجريمة الإرهابية. وبالتالي يصبح من الضروري التفكير في مسألة تأطير هذه المجموعات الهشة. ويتمُّ بالتوازي وضْعُ برنامج للإدماج الاجتماعي والثقافي لها من طرف الدولة والمجتمع المدني.
إن مسلمي أوروبا أحد مكونات المجتمع، يلعبون دورهم في بناء الاقتصاد الأوروبي ولهم إسهاماتهم في مجال الثقافة والصحة والتعليم والبحث العلمي، وحبذا لو يساهم الاستثمار العربي والخليجي في تمويل مشاريع وبرامج اقتصادية واجتماعية وثقافية تعزز الإدماج لهذه المجموعات الهشة، ويكون ذلك بدعم ورعاية وإشراف الدولة الأوروبية المعنية بهذا الاستثمار.
وبخصوص الجانب الديني فإنه يمكن مساهمة الباحثين وعلماء الدين المستنيرين في تطوير ما يُسمَّى بفقه الأقليات (ويُعْرف أيضا بفقه المهجر المتعلق بالأقلية الإسلامية في المجتمعات غير الإسلامية) وإبعاده عن تأثير جماعات الإسلام السياسي والسلفية الجهادية، وتحييده عن كل التوظيفات.
وعلى المسلم الأوروبي أن يشعر أنه جزء كامل من المنظومة الأوروبية القائمة على احترام الحريات الفردية والعامة. وعليه أيضا أن يكون في الخط الأمامي لمكافحة كل مظاهر الراديكالية والتطرف العنيف خدمة للدين وللإنسانية.
أكاديمي ومحلل سياسي*
2020-12-26