شيء من سيرة عائلتي… 5!
بعض سيرة والدي….
أبو علاء منصور.
يُقال أن حليمة ياسين -جدتي لأبي- توفيت ولم يُكمل والدي السادسة من عمره بعد، فذاق طعم مرارة الحياة من حضيضها، ففي طفولته المبكرة راح يرعى غنم جدي المختار في كنف زوجة أب متجبرة، فرضت عليه وهو في أوائل العشرين من عمره الزواج من أرملة في سن الأربعين -آمنة دبس- والسبب -كما قيل- طمع جدي في ميراث الأرملة. ربما ولّدت قسوة طفولة والدي تطرفاً في شخصيته، لكنها لم تنعكس قسوة في فؤاده، فظل بعيداً عن الحقد والثأرية. لم تنجب السيدة آمنة أطفالاً فعرضت عليه الزواج من مدللة، وبهذا الزواج خرجت مدللة من مشكلة ووقعت في أخرى، فقد كان والدي فقيراً وأورثته قسوة اليُتم عناداً، ولأنه ابن المختار تولدت لديه مبالغة إزاء الكرامة جعلته يرفض العمل تحت سلطة الآخرين.
قالت والدتي عن مرارة تجربتها مع عائلة والدي: (والدك رجل شهم لكنه عنيد. أتفهم قسوته وآخذ عليه عناده وقلة أشغاله رغم تفهمي أسبابها. أما زوجة أبيه فسيدة ظالمة، كانت تُجبرني على الانتظار بعجيني في الطابون حتى تنتهي النساء من الخبيز، والحُجة أن عجين الشعير -عجيني- يمتص حرارة الطابون! تألمتُ كثيراً، فأنا “كنّة” المختار آكل خبز الشعير بسبب فقر زوجي، وأعامل على هذا النحو فيأتي خبزي (لسيس- غير ناضج) بعدما يمتص خبز غيري حرارة الطابون فيبرد! تعاطفت معي حليمة حسين زوجة الشيخ علي ودعتني للخبيز في طابونها في الحارة الشرقية. في طريقي للخبيز عندها في أحد أيام الشتاء الباردة، اضطرني الهواء العاصف والفقر إلى إلقائك أرضاً وتشبثتُ بلكن العجين، ربما كان عمرك خمسة أشهر أو أقل في حينه، خيارٌ شديد الألم لكنه صائب، فالأولوية للعجين وأنت لن تموت. أوصلتُ العجين بسرعة وعدتُ والتقطتك. حين يمر بخيالي ذلك المشهد القاسي يجتاحني حزن شديد، لكني لا أندم على ما فعلته.
أضافت وعلى ثغرها ابتسامة حزن: (كثيراً ما خرجتُ من البيت فجراً لأقطف لك ولشقيقتك حليمة بعض ثمار التين من تينة السبيل في الشعب الابيض، وهي شجرة موقوفة لعابري السبيل، فيما جدك المختار يملك نصف تين البلد. كنت أخرج باكراً كي لا يراني أحد فأسيء للعائلة).
من حسن حظ والدتي وحظنا كذلك، أن الظلم الذي وقع عليها انعكس مفاهيم وسلوكيات حميدة في شخصيتها. كيف حصل ذلك؟ ربما ورثته من والدتها التي ربتها يتيمة، وربما أنه الذكاء الفطري، وربما صقلتها التجارب. سمعتها مراراً تتحدث عن الظلم الذي لحق بسلفتها يمينة الشيخ -زوجة عمي عبد الرحمن- التي أرغمتها حماتها -زوجة جدي- على ترك البيت بعد حرد عمتي رؤوفة بديلتها في الزواج. وحرمتها من إرضاع طفلها يوسف فمات.
أنجبت والدتي سبعة أطفال من والدي، توفي أحدهم -علي- وهو في الخامسة من عمره. ما زلتُ أذكر بعض لحظات ألم الوالدة والطفل يئن في حضنها والنساء يواسينها. وأذكر أن والدي مدده على لوح خشبي في قاع الدار وراح يرثيه بكلام لم أفهمه. كان يفرغ حرقة قلبه بالرثاء وبدا مهيض الجناح.
مع تحيات أبو علاء منصور
30\11\2020