أوراق من سيرة والدتي…..11!
قرية بلعين….
أبو علاء منصور.
في أوائل ستينيات القرن العشرين كنتُ في المرحلة الإعدادية، صبياً هادئاً، مجتهداً ومتفوقاً في المدرسة. اجتذبتني جلسات الكبار وحديث السياسة. بعد صلاة الظهر صيفاً، كان يتجمع الرجال في ركن ظليل من رواق المسجد، أو تحت شجرة سدر عملاقة تنتصب وسط ساحته، يلعبون -السيجة- أو يأخذون قيلولة. وبعد العصر يتجاور الرجال والنساء وسط الحارة، على صفيّ حجارة ملساء تآكلت من فرط استخدامها. حجارة مرصوفة على جانبي الطريق المحاذي للحائط الشرقي للمضافة. وكان هناك تجمعات أصغر حجماً في الحارات وهذه ربما تشبه الكوفيشوبات في هذه الأيام. كان يخيل لي وأنا أستمع لحديث الرجال، أن هذه الحجارة تختزن ذاكرة من تعاقبوا الجلوس عليها، فأستذكر ما علق في رأسي من قصص الغرام والمشاجرات. كنتُ وأنا أصغي للأحاديث بشغف، أشعر أنني أنضج. بعد الغروب كانت تجري بعض الجلسات خلف منزلنا المؤلف من غرفة واحدة -عقد- تلتصق بها سقيفة تستخدم كمطبخ، وبجوارهما طابون، وسقيفتان إحداهما للحمار وأخرى مخزناً للتبن. ومرحاض ربما كان الوحيد في القرية، يبدو أن وجوده عكس ثقافة جاءت من طرف والدتي التي قضت شطراً من شبابها في قرية لفتا قبل أن تقترن بوالدي.
في المضافة كان ينام عابرو القرية من باعة قماش، مُصلحي أحذية وبوابير كاز، وحذّائي دواب، أما النَوَر -الغجر- ومنهم حدادين ومبيضي أواني نحاسية، فيأتون القرية في مواسم الحصاد وقطف الزيتون وأوقات الحراثة، ينصبون خيمهم في الحارة، أو بجوار شجرة زيتون في طرف القرية الشمالي، وكانت العائلات تتعاون فيما بينها لتقديم الطعام للضيوف.
كان أبو العبد -بائع الكسبة- أهم عابري القرية بالنسبة للأطفال: (كُسبة، كُسبة، يا الله يا أولاد، برصاص، بنحاس، بشعير، بزيتون). ما أن نسمع الصوت حتى نهرع لأمهاتنا لجلب ما نُقايض به.
كانت الناس تنظر بقدسية لشجرة سدر ضخمة تتوسط ساحة المسجد. ورأى والدي في ذلك خرافة تكرست بفعل العادة والجهل وتساءل: (ما الفرق بين هذه الشجرة وغيرها مما ينتشر في الأغوار والصحارئ؟). ربما اكتسبت الشجرة قدسيتها من كونها في ساحة المسجد، ومن الأحاديث المتداولة بأن المسجد أقيم إحياء لذكرى أربعين مجاهداً دفنوا فيه. عزم والدي على اقتلاع الشجرة بعدما هددت جذورها بنيان المسجد. قال لي في وقت لاحق واصفاً مشاعره وما احتدم في داخله: تخيلتُ أن قلع السدرة ربما يدخلني في دائرة الحرام! فأنا أيضاً ابن ثقافة تُقدسها، وخشيتُ استثارة مشاعر الناس وردود أفعالهم. لكني تجرأتُ واقتلعتها، فدون شجاعة الروّاد لا سبيل للتغيير.
كانت النسوة أكثر من اقتنع بقدسية السدرة، وأشد من تأثر باقتلاعها، فقد اعتبرنها جزءاً من مقام “الولي” الراقد في الجانب الأقدم من المسجد، والذي يتقربن إليه بإضاءة أسرجة الزيت، طلباً لشفاعته في إشفاء أبنائهن المرضى وغير ذلك. أما نحن الصبية، فقد اكتسب المسجد أهميته في نظرنا من جوه اللطيف صيفاً، ورحابة رواقه وساحته التي نلعب فيها، وثمار الدوم التي تجود بها الشجرة. ففي ذلك الزمان لم تتجاوز فاكهة معظمنا تلك الثمار، وما تجود به أشجار القرية من ثمار التين والعنب والصبر. فربما لم يذق معظمنا طعم الموز والتفاح على سبيل المثال إلاّ في المناسبات، أو حين يمرض أحد أفراد الأسرة فيهرع الأقارب الميسورين بما تيسر منها. أما كبار السن الذين كان البرتقال فاكهتهم قبل نكبة عام 1948، فقد أصبحوا يشتهونه بعدما استولى الصهاينة على الساحل الفلسطيني.
كانت ساحة المسجد ورواقه مكان لعبنا المفضل في صبانا. ما كان يلهب خيالنا ويبعث فينا الرعب، تلك الغرفة المعتمة التي يحتاج الداخل إليها إلى هبوط بضع درجات، وتضم ضريح “سيدي الأربعين”، وتُحفظ فيها أدوات غسل الموتى، وهي التي ظل بابها مسدوداً دون إحكام، لا يدخلها غير الإمام والمعني بغسل الموتى، أو يُضيء الأسرجة. بالنسبة للصغار كانت الغرفة كبيت الأشباح، نخالها تعج بأرواح الموتى. كانت العتمة وأدوات غسل الموتى تبث فينا رعباً. أذكر أنني في أول مرة دخلتُها شعرتُ بأشياء فظيعة تحوم حولي، وأنا أحاول الوصول بعينيّ إلى نهايتها التي بدت ليلاً دامساً، ولم أتجرأ على مجرد النظر للزاوية اليسرى التي تضم الضريح. كان همي أن أخرج بسلام محتفظاً بمظهر الشجاعة. كان دخول الغرفة فعل بطولة لمن تُواتيه الشجاعة. مع مرور الوقت وتكرار التجربة اعتدنا الدخول بثقة أكبر. وهناك من أقراننا من لم يتجرأ على دخولها بتاتاً. وحين كان يأتي أحد الصبية بحركة شيطانية، فكأنما انقضّت العفاريت على رؤوسنا.
في ذلك العمر كنتُ مفتوناً بالصباحات الندية من أيام تموز وآب، حيث تتقاطر الصبايا والنسوة عائدات من الكروم، بدلال يعكس غريزة الأنثى أكثر من تعبيره عن راحة البال، في أيديهن وعلى رؤوسهن سلال التين والعنب. فيتقدمن صوب الرجال المستغرقين في حواراتهم، ويتناول هؤلاء ما طاب من لذيذ الفواكه، فيما يتغامز الشباب بابتسامات حُبٍ حذرة. وهناك العونة، يا للعونة في موسم الحصاد وقطف الزيتون وغيرها، أجواء تكافل وتضامن تبدو فيها القرية أسرة واحدة. بالطبع هذا الجانب المشرق وليس كل شيء، فهناك ضيق الأفق والحسد والنزاع العائلي، والناس في القرية تميل إلى تقديس الغريب على حساب ابن البلد، وإن نبغ شاب في القرية يُنقبون في تاريخ عائلته عن لقب يحط من قدره.
مع تحيات أبو علاء منصور
6\12\2020