أوراق من سيرة والدتي….. 16!
عبقرية البساطة.
أبو علاء منصور.
أتقنت والدتي الأمية فن التعلم من تجربة الحياة، وابتدعت حلولاً لما بدا أنه مستحيلاً. أكثر ما علق بذهني مما كانت تكرره: (التكيف يبعث الهمة والشكوى طريق الفشل. كن كالماء يا بُنيّ، عذباً في علاقاتك وقوياً في تصميمك. تجنب خوض المعارك الخاسرة، وسارع للانسحاب منها إن تورطت فيها، هذه ذروة الشجاعة)…. لم تقل المرأة الأُميَّة ذلك بهذه الكيفية المنسقة، قالته ببداهة وبساطة.
كانت والدتي صاحبة رؤيا. كنتُ ألحظ ذلك في بساطة كلماتها وجدية سلوكها. ظلت تنصحني: (رافق المسعد تسعد، من صادق الناس شاركهم في عقولهم، في الحياة أشياء وأشخاص تشحنك بالطاقة وأخرى تسلبك إيّاها، احرص على الأولى واحذر الثانية). وللسعادة عندها مفهوم يتجاوز المال والجاه، والقادر على إسعاد نفسه يبث السعادة في غيره. لا زال صدى كلماتها يتردد في قلبي كأنها تقف أمامي اليوم. كانت تفرغ غضبها في العمل، دواء فعّال واجهت به الإحباط وقهرت اليأس. كانت تتساءل وتجيب نفسها: (لماذا خلق الله عيوننا في وجوهنا وليس خلف رؤوسنا؟ لأن المستقبل أمامنا). لم أسمعها تشكو أو تتذمر! لا وجود لهذه المفردات في قاموسها. كانت تقول: (الفراغ مفسدة. الماء يفسد حين يتوقف عن الجريان). وكانت تمارس -فن القدوة- بمهارة فائقة، وبارعة في إيجاد البدائل.كانت تردد: (هل سمعت ماء يشكو؟ لا. هل شاهدت ماء توقف عن الجريان إن اصطدم بصخرة؟ أبداً). كانت تقول أيضاً: (إذا جُنّ جماعتك فلا تُجنَّ مثلهم).
لم يحدث أن تبادلتُ رسائل مع أهلي وأنا في الجامعة في بغداد. مع ذلك كنتُ أشعر أن والدتي تقودني كمرشد وناصح وليس مراقب وآمر. كنتُ أتخيلها معي في كل خطوة أخطوها. إنها عظمة القدوة التي لا تعجزها المسافات وجدران الزمان والمكان، إلهامٌ يَحفظ استقلالية المُقتدي ويدعم الثقة بالمقتدى به.
قلتُ لوالدتي ونحن نحتسي الشاي في الكرم -الغرّام- بعدما أنهيتُ سنتي الجامعية الثالثة: (ها أنذا أوشك على التخرج وقد آن أوان أن تستريحي). ردت: (من لا يعمل ميتاً وإن كان على قيد الحياة. العمل أعظم من كونه كسبٌ مادي! العمل حياة. ألم يقل الرسول محمد عليه السلام: (إذا قامت القيامة وبيدك نبتة فازرعها). معنى ذلك أنه طالما لديك طاقة فواجبك أن تستخدمها).
حين عدتُ إلى البلاد واجهتُ حقيقة فقر عائلتي الذي بدا أنني نسيته في سنوات غربتي، صحيح إنني كنتُ فقيراً في بغداد، لكني أنام على سرير وتنقلني حافلة إلى الجامعة، وأحياناً أتناول الطعام في مطعم، بل أكلت كباب وقوزي أحياناً، وفي مرة واحدة أكلتُ سمك مزقوف في شارع أبو النواس، وفي السنة الثالثة اشتريتُ مسجلاً. بالمقابل تنام أسرتي في البلاد في غرفة واحدة ولا تملك من المتاع إلاّ القليل. لقد أنستني الغربة حياة القروي لدرجة أنني حين رجعتُ إلى البلاد رحتُ أحمل حصى بيدي -وأنا أمشي في الخلاء ليلاً- وألقي بها أمامي محاولاً طرد الأفاعي المتخيلة! لو خاف الفلاحون مثلي ما فلحوا وحصدوا.
كبرتُ وكبرت معي مفاهيم والدتي وانعكست في تربيتي لأولادي فكنتُ أردد عليهم: (نحن أسرة متضامنة ولكل منا رأيه وشخصيته المستقلة). منطق يحث على التكامل ويستبعد الإقصاء والأنانية. بعد مرور اثنان وأربعون عاماً على تخرجي من الجامعة، أعادتني مناسبة الفرح بتخرج ابني سيف في جامعة الإسراء بعمان إلى الوراء، فتذكرتُ حفل تخرجي في جامعة بغداد في صيف عام 1972. يومها لم أكن أملك أجرة “روب التخرج” ولا ثمن صورة تذكارية للمناسبة التي انتظرتها، وبدل أن أصطف مع الخريجين في ساحة ملعب الشعب ببغداد، جلستُ حزيناً بين ذويهم دون أن ينتبه أحد إلى أنني من الطلبة المُحتفى بهم. كان المشهد مغايراً يوم تخرج سيف، فقد حضرتُ وزوجتي من فلسطين لحضور حفل تخرج ابننا في الأردن.
مع تحيات أبو علاء منصور
12\12\2020