أوراق أندلسية!
ليلة سقوط قرطبة
د.موفق محادين
تركزت الكتابات التاريخية والإسقاطات الأدبية والأعمال الفنية الخاصة بالأندلس وسقوطها أو ضياعها، حول سقوط غرناطة بيد أن غرناطة وغيرها (مرسيه واشبيلية) لم تكن لتسقط قبل سقوط الأمويين في قرطبة التي كانت بمثابة (دمشق الجديدة) أو الثانية.
قبل ذلك، لا بد من استعراض الخلفية التاريخية للحكم العربي في الأندلس والمقدمات التي انتهت بسقوطه:-
1- ابتداء، بالإضافة لمظاهر العمران والحركة الفكرية التي قدمت فلاسفة معروفين مثل ابن رشد، فقد اتسم هذا الحكم بسمات تشبه الدولة العثمانية من حيث الفساد الكبير في البلاط وسطوة الخصيان والجواري القيان على البلاط وفيما يشبه التاريخ العثماني وسلالات الملوك في أوروبا غالبا ما كان الوزير الأول القوي مقربا من الملكة الأم أو الزوجة (وقد يكون عشيقا) وكانت هذه النساء في الغالب الأعم من الجواري أو القيان (الجواري المطربات) وكن ميالات للسلطة والبطش من أجلها.
ويلاحظ أنه في المراحل المتأخرة بات الملوك بفضلون شخصيات أقرب إلى (البهلول) منها إلى الرجل النافذ القوي.
2- فما يخص تاريخ الحكم العربي في الأندلس فليس تاريخا أمويا مطلقا كما هو شائع، فثمة مرحلة سابقة على الحكم الأموي ، وأخرى لاحقة عليه ومن ذلك:
– مرحلة ما قبل الحكم الأموي التي تعاقب عليها قادة الفتح الإسلامي مثل طارق بن زياد 712م وموسى بن نصير وعبد الرحمن الغافقي الذي قتل في معركة بواتيه (بلاط الشهداء) وآخرهم يوسف الفهري 746-755.
أما مرحلة الحكم الأموي، فبدأت مع عبد الرحمن الداخل 755-789، ثم ابنه هشام الأول ثم الحكم بن هشام ثم عبد الرحمن الثاني (الأوسط) ثم محمد بن عبد الرحمن ثم عبد الله بن محمد ثم عبد الرحمن الثالث (الناصر) ثم ابنه الحكم (المستنصر) 961-976، ثم ابنه هشام الثاني الذي كان آخر ملوك أو خلفاء بني أمية الذين يحظون بالإجماع الأموي.
– فبعد موته دب الخلاف بينهم ودخلت الأندلس في عهد ملوك الطوائف وخاصة بنو عباد في إشبيلية، وبنو حمود الأدارسة في ملقا، وبنو زيري (الأحمر) في غرناطة ورغم محاولات القبائل الأمازيغية (البربرية) إنقاذ الحكم العربي في الأندلس إلا أنه كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط.
ويشار هنا إلى التدخل العسكري الذي قاده المرابطون (الأمازيغ) بزعامة يوسف بن تاشفين وهزموا فيه الأسبان في معركة الزلاقة (1086) وإلى التدخل العسكري للموحدين بزعامة عبد الله بن تومرت الذين خسروا معركة كبيرة مع الأسبان هي معركة العقاب 1212.
3- بالعودة إلى الظروف التي أدت إلى سقوط قرطبة (1236) بعد خمسة قرون ودخول الأندلس في عهد ملوك الطوائف فهو يشبه بدايات انحطاط الدولة العثمانية عندما تمكن عالم السرايا الخاص من الجواري والخصيان ووزراء البلاط (كثير منهم لاتعرف أصولهم) من وضع يدهم على بيت المال وقرارات الحرب والسلم التي كشفت عن تواطؤ مع الغزاة والأعداء من كل لون وجنس.
فمع موت آخر ملوك قرطبة الأقوياء وهو الحكم بن عبد الرحمن (المستنصر) أصبحت زوجته الجارية السابقة، صبيحة(صبح) هي الحاكم الحقيقي بالنظر إلى ضعف ابنها هشام الثاني وتمكنت بسرعة من إقصاء الرجال الأقوياء لزوجها الراحل ومنهم الوزير جعفر المصحفي، واستبداله بشاب مقرب جدا منها، هو محمد بن ابي عامر الذي تكنى لاحقا بلقب ملكي هو المنصور.
وحكم الوزير الجديد مع الملكة (صبح) قرطبة بالرشوة وشراء الذمم وتحريض القبائل والعائلات على بعضها، وإقامة صلات سرية مع الأسبان، وكان الأخطر في كل ذلك تعميق النزاعات بين القيسية واليمنية وكذلك بين العرب والأمازيغ.
هكذا راحت قرطبة تتداعى شيئا فشيئا ولم يتردد ملوك الطوائف في الاندلس في إقامة تحالفات كريهة مع الأسبان ضد بعضهم، إلى أن استسلمت هي نفسها وأطلقت العد العكسي للخروج النهائي للعرب من الأندلس.
إلى ذلك، كان آخر عهد للأمويين في الحكم هو عهد مروان بن محمد وعامله على خراسان، نصر بن سيار، الذي وثق تلك اللحظة بالقول الشهير: أرى تحت الرماد وميض جمر، ويوشك أن يكون له ضرام.
دوق غرناطة
عندما وقع نصر بن أبي الحسن، سيد بني الأحمر على غرناطة، اتفاقاً لوقف الحرب مع ملكة قشتاله، لم يكن فقط، لأن الحروب استنزفت آخر دويلات الأندلس، وليس لأن قشتاله دعمت جيوشها بالمدافع.
فثمة صراع داخلي عنيف، كان يدور في أروقة الحمراء بين أبناء أبي الحسن من زوجتيه الأسبانية، والغرناطية، عائشة والدة الصغير.
عندما وقع الصغير أسيراً في يد القوات الأسبانية، وافق على التوقيع في قصر قشتاله وبالأحرف الأولى على مراسيم الاتفاق الذي أنهى الوجود العربي في الأندلس.
فقد تعهدت إيزابيلا ملكة قشتالة، وزوجها فرناندو، ملك صقلية، بدعم الصغير في حربه ضد والده وعمه “الزغل” أمير مالقا، وتنصيبه في بلاط غرناطة، ولكن ليس كحاكم عربي بل كدوق تحت الحكم الأسباني.
وخلال سنوات قليلة، كانت جيوش فرناندو وإيزابيلا تجتاح الحصون العربية، بدعم الدوق الجديد في غرناطة.
المفارقة الأخرى، هي أن عمه الذي ورث حكم أخيه في مالقا، دخل وبعد صمود أسطوري، في مساومة مماثلة، وامتطى خيل قشتاله لاستعادة غرناطة من أبن أخيه، ولكن كدوقية أسبانية وليس كدولة عربية.
والأسوأ من كل ذلك، كما هو معروف، أن فرناندو وإيزابيلا سرعان ما طلبا من الصغير وعمه الرحيل عن غرناطة ومالقا، مقابل ما يريدان من الذهب، فلم تعد ثمة حاجة لهما في أيبيريا.
العم، ذهب إلى المغرب بأكياس الذهب، فأعتقله العامة وثملت عينيه.
أما الصغير فقرر القتال دون أن يصدقه أحد.. فمن يقاتل وراء دوق أسباني يلبس عمامة بني الأحمر.
وعلى جسر نهر شنيل، كان الصغير يسلم مفاتيح الحمراء ويقبل الكتف الأيمن للملك فرناندو، وكلمات والدته عائشة ترن في أذنيه: أبك كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال.
ولعلها، أي عائشة، كانت تستحضر مشهد أسماء والدة عبد الله بن الزبير، وهي جاثية عند جثة لم تترجل، ودم لم ينشف عن منجنيق الحجاج في الكعبة.
2021-11-12