أهم الصادرات الامريكية!
اضحوي جفال محمد*
تحت هذا العنوان يتبادر الى ذهن المتلقي قطاع الطاقة او الشركات الرقمية الكبرى التي تغلف عالمنا منذ اندلاع ثورة الانترنت، لكن الحقيقة غير ذلك.. فأهم سلعة يصدرها الامريكان الى العالم الخارجي هي الدولار! الدولار بالنسبة للولايات المتحدة ومنذ زمن بعيد لم يعد آلية للتعامل التجاري فقط وانما سلعة بالمعنى الحرفي للكلمة. سلعة يجري تصنيعها داخل البنك الفيدرالي ثم تُرزم وتباع خارج الحدود كأهم رافد من روافد الاقتصاد الامريكي. ولأن تكلفة انتاجها زهيدة باتت السلعة الامريكية الاكثر ربحية، فهي مجرد اوراق واحبار كما قال احد وزراء الخزانة.
هذه الحالة المتفردة لها تاريخ طويل في الماضي عندما كان الملوك القدماء يسكّون العملة لتسهيل التجارة. لكن فارقاً جوهرياً بين الدولار وعملات الماضي، ذاك ان القدماء لا يصنعون عملاتهم من اوراق لا قيمة ذاتية لها بل من معادن ثمينة لا تستمد قيمتها من مجرد التوافق عليها وانما لكونها سلعة مطلوبة بحد ذاتها. اقصد ان العملات القديمة لم تكن اغترافاً بغير حساب من الثروة يقوم به الملك. كانت معادن ذهباً وفضة تشترى ويعاد سبكها وتباع.
حالة الدولار لا مثيل لها في عصرنا الحديث وكان على اصحابها الامريكان ان يحرصوا على تدفقها بكل ما يستطيعون للتنعم بها اطول امد ممكن، غير انهم، لا خصومهم، اول من تحرش بها وعرّضها للمخاطر. فهم الذين بدأوا باستعمالها سلاحاً للضغط على الآخرين. ومن الطبيعي ان يبحث المستهدفون بهذا السلاح عن وسائل لمواجهته. ففي حياتنا الطبيعية كلما انقطعت سلعة بحثنا لها عن بديل. هكذا عندما قررت الولايات المتحدة حجب دولاً معينة عن التعامل بالدولار اضطرت تلك الدول للتعامل بعملات اخرى او بالذهب او باسلوب المقايضة. وعندما قررت الولايات المتحدة تجميد او مصادرة اصول بعض الدول المودعة لديها بدأت دول اخرى وشركات وافراد من ذوي الرساميل في امريكا يتحوطون وينقلون اموالهم الى ملاذات آمنة خارج الولايات المتحدة. وبدأت دول كثيرة تتوافق على التعامل بعملاتها المحلية، ودول اخرى تتكتل لايجاد عملة بديلة على غرار اليورو التي اوجدتها مجموعة من الدول الاوربية واحتلت حيزاً كبيراً من المساحة النقدية في العالم.
طباعة الدولار ليست باباً مفتوحاً بالمطلق، فلكل شيء في هذا الوجود محددات، حتى الهواء الذي ظُن ان وفرته غير محدودة تبيّن اخيراً انه قابل للنفاد بفعل تكاثر الاحياء وآفة التلوث. والقانون الذي يسمح بطباعة كميات من الدولار دون حدوث مضاعفات هو ان لا يتجاوز المطبوع منه مقدار النمو في الاقتصاد العالمي. وفي ذلك متسع لمورد اقتصادي هائل ودائم للولايات المتحدة. الا ان استخدامه سلاحاً من جانب ادارات امريكية حمقاء حرّك ناقوس الخطر وحفز كثيرين على البحث عن بدائل وتلك كارثة مزلزلة للامريكان.
يبدو ترامب مدركاً لابعاد المشكلة فهدد بفرض ضرائب بنسبة %100 على الدول التي تمنع التعامل بالدولار. فهل هذي هي الطريقة المناسبة لحماية الدولار؟ لا اعتقد ذلك، فهذا التهديد يفاقم المشكلة اكثر وكأنه قول ابي نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ
وداوِني بالتي كانت هي الداءُ
العملات بطبيعتها من اكثر الاشياء تأثراً بالدعاية. وما يفعله ترامب في هذا الجانب ما هو الا إقحام للعملة في الصراع السياسي، ولن يوقف مسعى بريكست على سبيل المثال التي لم تمتنع عن الدولار اصلاً وانما الدولار امتنع عن بعض اعضائها بدوافع سياسية.
منذ احتلال الضفة الغربية عام 67 وحتى قطع ارتباطها بالاردن بقرار من الجامعة العربية عام 75 يستطيع كل مواطن فلسطيني دخول الاردن باعتباره مواطناً اردنياً له ما للآخرين. تستطيع كل دولة في العالم منع الفلسطيني من دخولها بسبب او بدون سبب الا الاردن خلال تلك الفترة. وهذه الحالة تشبه ما سيؤول اليه وضع الدولار لو تعرض لانتكاسات وبدأ يتأرجح، فتستطيع كل دولة الصدود عنه الى عملتها الوطنية الا الولايات المتحدة لا تملك حق التبرؤ، وعليها استقبال كل ما تلفظه البشرية من الاوراق الخضراء.. ولك ان تتصور الكارثة.
الان عندما تضطر الولايات المتحدة على رفع سعر الفائدة لمعالجة التضخم تهجم عليها امواج الدولارات من خارج الحدود للكسب المضمون من الفائدة المرتفعة. فإذا اتخمت وقلصت الفائدة ارتفع التضخم الناتج عن طباعة الدولار. انها مشكلة بلا حل.
ومع ان الامريكان يحرصون على توجيه الدولارات الجديدة الى الخارج لعدم وجود مقابل سلعي لها في الداخل فإنها تعود الى الداخل بطرق اخرى وتفعل فعلها.
يسعى ترامب لحل المشكلة كما تحاول كل دولة طبيعية التغلب على عجزها المالي ليس بطبع نقود جديدة وانما برفع الضرائب على الاستيراد كحماية للناتج الوطني، غير ان حجم العجز مع كل الشركاء تقريباً يجعل هذه الطريقة كمن يطلق النار على قدميه. فهو بذلك يضر الشركات الامريكية بمقدار ضرر الاخرين الذين سيردون بالمثل. وهناك حالات كالحالة الصينية تتوجه فيها العقوبات الامريكية مباشرةً الى شركاتها العاملة في الصين بسبب تداخل الاقتصادين. فما العمل؟ دعونا ننتظر الخطوات العملية لترامب ونعلق عليها، مع الاعتذار عن الاطالة.
( اضحوي _ 2039 )
2025-01-23
