أهمية القضية الوطنية الأردنية!
جمال الطاهات
تنطلق الثورات الوطنية من “قضية” واضحة تبررها وتكسبها الشرعية السياسية، وتصوغ هدفها، وتحررها من ارتباك الخطاب، وتمنح المعاني لمفرداتها، وتوحد خطوات المناضلين وتحقق التكامل فيما بينها دونما حاجة لقيادة مركزية. والارتقاء بالحركة الاحتجاجية الأردنية إلى الثورة يتطلب توضيح القضية الوطنية الأردنية بشكل لا لبس فيه، باعتبارها المرجع اولاً لصياغة المهمات النضالية ومسارات وخيارات تحقيقها، وثانياً من أجل تقديم الشعب الأردني للعالم بشكل يليق به، وثالثاً حماية صورة أحرار الأردن من التشويه، ورابعاً حرمان المستبد الفاسد من تحالفاته الخارجية، ومنعه من الحصول على دعم دولي يمنحه فرصة الاستمرار باستبداده وفساده.
ويمكن تلخيص القضية الوطنية الأردنية بـ “عائلة سرقت الدولة من الشعب الأردني، فتفردت بالسلطة وسيطرت على الموارد ونهبتها”. وهذا يتضح بسلطات المستبد الفاسد (غير المنتخب) الذي يعين منفرداً الحكومة، كما يعين مجلس الأعيان، والمجلس القضائي والمحكمة الدستورية وقادة المؤسسات الأمنية والعسكرية، ويمنع مجلس النواب المنتخب من الاجتماع وممارسة صلاحياته إلا بإرادته، ويترك لعائلته الفرصة لنهب كل ما يمكنهم نهبه، بشكل غير قانوني (وعن طريق الحواشي) كما يحصل في قطاعي النقل والطاقة، وعبر سن قوانين تمنح بعض أقارب المستبد الفاسد السلطة على قطاعات كاملة كما يحصل في المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص المعوقين، وغيرها من المؤسسات التي يمنح فيها المستبد الفاسد أفراد من عائلته سلطات مؤسسية خاصة فوق الحكومة صاحبة الولاية الدستورية، بانتهاك صارخ ومشين للمادة 26 من الدستور، والتي تنص على أن السلطة تمارس من خلال الوزراء وليس الأمراء.
وحتى يكرس المستبد الفاسد سرقته للدولة سلطة وموارد، وللحصول على الدعم الخارجي في مواجهة الشعب الأردني، يتم توجيه تهم الإرهاب للعديد من النشطاء السلميين ويُحرمون من حقهم بمحاكمات عادلة، كما حصل مع بعض النشطاء من الكرك، ويُستدرج البعض لتبني خطابات جامحة تزيد من عزلة الحركة الديمقراطية الأردنية، وتبرر للمستبد الفاسد وادواته اتهام الشعب الأردني بالجهل، وعدم الأهلية للحرية والديمقراطية والحاجة لفرض الوصاية عليه، لشراء صمت العالم عن الممارسات القمعية والفاسدة.
التباس القضية الوطنية، وضبابية أهداف المشروع النضالي الوطني، تزيد من فرص ظهور (بعض الحركات السياسية التي تحرف بوصلة النضال، وتزيد من أعداء الشعب الأردني)، وهذا يمنح المستبد الفاسد فرصة استثنائية لعزل الشعب الأردني، وبناء تحالفات دولية بشكل سهل، تمكنه من إدامة حكمه واستبداده وفساده. وعليه فإن وضوح القضية الوطنية وأهداف المشروع النضالي تمكن الشعب الأردني من التحول من مجرد هدف للسيطرة عليه، إلى شريك كامل في المجتمع الدولي.
وتوضيح القضية الوطنية الأردنية، في سياق تمكين الشعب الأردني من استرداد دولته سلطة وموارد، يتطلب الإجابة على العديد من الأسئلة أهمها: كيف تجري عملية سرقة الدولة سلطة وموارد؟ وما آثارها على الشعب الأردني؟ وذلك بكشف ما يقوم به المستبد الفاسد وعائلته وبالذات تركيزهم للسلطة بأيديهم، ونهبهم للموارد المالية اكان بشكل مباشر، او عبر نهب المساعدات الخارجية، أو عبر تسلطهم على بعض القطاعات ودعم أنشطة احتكارية فيها لقاء حصص من العائدات. إضافة إلى ذلك من الضروري الإجابة على الأسئلة التي توضح معنى استرداد الشعب لدولته، والتغييرات التي يجب أن تتحقق حتى يمكن الإعلان أن الشعب استرد دولته سلطة وموارد؟ وكيف سيتم تقوية المؤسسات في المرحلة القادمة، إضافة إلى الأسئلة المتعلقة بوسائل وأدوات العمل وطرائقه لتحقيق هذا الهدف.
تكتسب أي حركة نضالية هويتها من أهدافها ووسائلها وطرائق عملها، والانسجام بين محددات الهوية يؤشر ويقيس مستوى الجدية والالتزام. والحركة النضالية الأردنية، التي هدفها تمكين الشعب الأردني من استرداد دولته سلطة وموارد، يجب أن تكون وسائلها سلمية، فهي ليست بديلاً عن الشعب في تحقيق الهدف، ولا تسعى لفرض وصايتها عليه، وإنما رافعة لتعبئة القوى الشعبية وحشدها. مع التأكيد على ان التعبئة الشعبية تحتاج ليس فقط كشف ممارسات المستبد الفاسد وعائلته، بل وأيضاً توضيح السياسات البديلة في كل القطاعات، إضافة إلى توضيح قواعد عمل مؤسسات الدولة التي تضمن استقلال ضميرها المهني.
مثل هذا الهدف يتطلب صياغة قواعد جديدة لعمل مؤسسات الدولة، بديلاً لما يجري الآن. فليس مقبولاً أن يستمر هناك مركز خارج المؤسسات يتدخل في عملها، خارج سياق قانونها، كما يجري الآن حيث يتدخل المستبد الفاسد وعائلته من خلال ديوانهم الخاص الذي تضخم وأصبح العاملون فيه بالآلاف، لتطويع مؤسسات الدولة واخضاعها لإرادة متعالية عليها. مؤسسات الدولة تخضع فقط للرقابة العامة عبر مجلس النواب، وعبر الرقابة الشعبية التي يتم ممارستها من خلال الإعلام والعلماء ومراكز البحث.
ومن الضروري تمكين البلديات من استعادة دورها في إدارة الخدمات التي تقدم للمواطنين، وتمكينها أيضاً من تطوير الموارد المحلية وتعظيمها واستثمارها بشكل أمثل، لتعود المظلة المؤسسية التي تقدم العون للمواطنين وتمكنهم من حل مشكلاتهم. فبقاء العلاقة مباشرة بين مواطن فرد وسلطة مركزية، هي أسرع طريق نحو الديكتاتورية والاستبداد. ووجود منظومات مؤسسية مدنية مثل النقابات والبلديات (إضافة للأحزاب وليس بديلاً عنها) ضرورة لتعزيز المواطن الفرد في مواجهة السلطة المركزية أياً كانت، ومنع تفكيك المجتمع وتحويله إلى مجرد تراكم أفراد. فالأفراد الضعفاء غواية لظهور المستبدين والفاسدين، والتصدي للفساد يقتضي تقوية أصحاب المصلحة في مواجهته.
أخيراً، إن القضية الوطنية الأردنية من حيث هي أساس للخطاب التعبوي، ترفع جاهزية الحركة الديمقراطية لتكون قادرة على استثمار الفرص القادمة، واشتقاق الوسائل والخيارات لإطلاق قوى الشعب لتمكينه من استرداد دولته سلطة وموارد دون التورط بالعنف، ولحماية المشروع النضالي الوطني ومنجزاته من الثورات المضادة. مع التأكيد دائماً، على أنه وإن كان توضيح القضية الوطنية الأردنية مهمة الحركة النضالية، هدفها تمكين الشعب من انجاز التغيير والاحتفاظ بالمكاسب التي تتحقق عبر المسيرة النضالية، وتحصين الشعب من أي محاولة لإعادة فرض الوصاية عليه بالثورات المضادة.
2023-10-05
