أمريكا لن تهاجم إيران و هذه هي الأسباب !
بقلم أحمد الحباسى*
تصاعدت لغة التهديد و الوعيد الأمريكية في الأيام الأخيرة ضد إيران بسبب تعرض القوات الأمريكية المتواجدة بحقل العمر النفطي في ريف دير الزور على الحدود الأردنية السورية إلى خسائر بشرية و مادية و كما كان منتظرا شنت الولايات المتحدة الأمريكية عدة هجومات استهدفت عدة مواقع تابعة لميليشيات يقول الرئيس الأمريكي جو بايدن في تصريحه بعد شن هذه الضربات الموجهة بكونها تابعة للحرس الثوري الإيراني . في الحقيقة يأتي ضرب و استهداف القوات الأمريكية المتواجدة في العراق بالذات على خلفية رفض الشعب العراقي لتواصل وجود هذه القوات الاستعمارية في أرضه بعد أن اقترفت ما اقترفت من جرائم حرب يندى لها الجبين كاشفة الوجه القبيح للإدارات الأمريكية الصهيونية المتعاقبة و لما يسمى الديمقراطية الأمريكية كما يأتي استهداف القوات العسكرية الأمريكية على خلفية الهجوم الوحشي الصهيوني الأمريكي البريطاني على الشعب الفلسطيني في غزة الشهيدة .
المتابع للسياسات الأمريكية منذ عقود يدرك أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتعامل مع أزمات العالم بمكاييل مختلفة و حسب الظروف فهذه الإدارات و على سبيل المثال لا الحصر ترى أن الهجوم الروسي على أوكرانيا هو احتلال يجب مقاومته بكل الطرق المتاحة و توفير كل وسائل الدعم العسكرية و الإعلامية و المالية للحكومة الأوكرانية بل أنها تسعى بالتزامن مع فرض قيود و حظر على سفر كبار المسئولين الروس إلى الخارج و وقف حساباتهم البنكية إلى مطالبة محكمة الجنايات الدولية بمحاكمة الرئيس فلاديمير بوتين و باقي إدارته السياسية و العسكرية على حدّ سواء . الإدارة الأمريكية ترى أيضا أن ما تقوم به إسرائيل و ما ترتكبه من مجازر يومية في فلسطين المحتلة هو مجرد دفاع عن النفس و هي لا ترى حرجا و بصرف ما تقدمه من دعم عسكري بأحدث العتاد و المعدات الأمر الذي جعل من الكيان الصهيوني رابع قوة عسكرية في العالم أن تستعين بترسانتها البحرية لوضعها في خدمة الاعتداء الوحشي الصهيوني الحاصل منذ 7 أكتوبر 2023 على قطاع غزة .
في المقابل تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بفرض ضغوط جبّارة على الجامعة العربية المنقسمة أصلا و التي ترى فيها كثير من البلدان المنخرطة و للأسف الشديد أن إسرائيل قد تعرضت إلى اعتداء غير مبرر إطلاقا من جانب حماس و هي محقة في الرد عليه حتى لو استدعى الأمر محو غزة من الخريطة كل ذلك لانتزاع غطاء عربي لضرب المقاومة الفلسطينية الباسلة التي تؤكد يوميا أن هذا الكيان أوهن من بيت العنكبوت و تبرير تدخلها العسكري المفضوح و السافر لدعم قوات الاحتلال الصهيوني بكل الوسائل العسكرية المتطورة لكشف مكان احتجاز الأسرى الصهاينة الذين تم اقتيادهم إلى غزة اثر عملية طوفان الأقصى التاريخية و الإعجازية بالمفهوم العسكري . على قفا الصورة نجد أن إدارة الرئيس جو بايدن لا تنظر بعين الرضاء و القبول بإعلان حزب الله و الثوار اليمنيين و العراقيين وقوفهم المساند للقضية الفلسطينية و مواجهة العدوان الصهيوني الأمريكي البريطاني و تعتبر أن هذه المساندة عدوانا على الكيان يستوجب منها الرد بقوة و تحدى للمنطق و الأعراف الدولية مما يجعل من أمريكا دولة إرهابية دموية .
يبقى السؤال : هل ستقرر أمريكا مهاجمة إيران عسكريا بعد أن وجهت إليها حزمة من الاتهامات العلنية محملة إياها ما تتعرض إليه قواتها العسكرية المحتلة لأرض العراق و سوريا مسؤولية الأضرار البشرية الحاصلة اثر الهجوم في دير الزور ؟ . الجواب بلا بالبنط العريض لان أمريكا غير قادرة حاليا على دفع تكاليف أي تدخل عسكري من حيث الخسائر البشرية و من حيث عواقب و ارتدادات هذا التدخل في منطقة تعيش على رمال متحركة . أمريكا رغم قوتها لا يمكنها اتخاذ قرار حرب قادرة على أن تبدأها لكنها تعلم جيدا أنها غير قادرة على معرفة كيفية أن تنهيها إضافة إلى أن الدخول في مثل الحرب سيستدعى استخدام القواعد الأمريكية المتواجدة في الدول الخليجية بما سيحتم على إيران توجيه ضربات موجعة لهذه الدول المتعاونة و المتآمرة بالاستعانة بكل الميليشيات المتحالفة معها و التي تنتظر هذه الفرصة للثأر من القوات الأمريكية و من بعض دول الخليج و على رأسهم العربية السعودية على وجه الخصوص . أيضا لا يجب أن ننسى أن اتخاذ الرئيس الأمريكي قرار الحرب في وقت تدخل فيه الانتخابات الرئاسية الأمريكية مراحل حاسمة هو قرار مخيف و صعب خاصة أن الناخب الأمريكي لن يصوت لمرشح كان سببا في قتل الجنود الأمريكيين في حرب لا علاقة له و لأجل عيون إسرائيل التي باتت دولة جرائم حرب في نظر الرأي العام الغربي عموما .
لعل أكبر الأدلة على جبن هذه الإدارة و عدم قدرتها على تحمل تبعات شنّ هجوم عسكري ضد إيران في الوقت الحالي يأتي من صفحات تاريخ الصراع الدموي في الشرق الأوسط و لعل المتابعين لا يزالون يتذكرون كيف تم استهداف السفارة الأمريكية في لبنان و بعض الفروع التابعة لها يوم 17 ماى 1983 بتفجير خلّف ما لا يقل عن 241 أمريكيا من طاقم حراسة السفارة من قوات المارينز نسبته الولايات المتحدة الأمريكية لإحدى الميليشيات التابعة لإيران . مع ذلك لم تقم أمريكا بالرد أو بالهجوم على إيران رغم وضوح هوية الفاعل مكتفية بتضميد جروح جرحاها و سير الرئيس الأمريكي رونالد ريغن وراء موكب جنازات الضحايا . اللافت أيضا أن الرئيس جو بايدن الذي تتعرض قواته فى العراق إلى ضربات شبه يومية و تتم مطالبته بالانسحاب قد أكد أن الضربات الأخيرة التي استهدفت الميليشيات المحسوبة على إيران هي ضربات محدودة و لا تعبر عن إرادة أمريكية بتوسيع رقعة التدخل أو الحرب في المنطقة و هي إشارات صريحة و دليل واضح على حالة العجز و عدم القدرة الأمريكية على الدخول في حرب مكلفة و غير محسومة النتائج سلفا .
كاتب و ناشط سياسي .
2024-02-05