أمريكا تفقد الثقة والسيطرة!
مصطفى السعيد
مظاهر فقدان الولايات المتحدة الأمريكية للثقة تتزايد، لا ثقة في نفسها، لا ثقة في دولارها، لا ثقة في بورصتها، لا ثقة في سنداتها، لا ثقة في قوتها العسكرية، لا ثقة في إنتخاباتها، لا ثقة في وعودها، لا ثقة نخبتها السياسية. كل شيء يهتز في الولايات المتحدة، والرئيس الأمريكي ترامب يكرر بأعلى صوته “أمريكا عظيمة مجددا”، لكنه لا يقنع أحدا بسبب فقدان أمريكا لعظمتها، فقدانها للحلم الأمريكي، يشير بأصابعه دوما إلى الرئيس السابق بايدن، وكأنه كان السبب في كل ما تعانيه أمريكا من أزمات. يكرر “لو كنت رئيسا في فترة بايدن ما كانت الحرب الأوكرانية قد اندلعت”، لو كنت رئيسا ما انسحبنا من أفغانستان بهذا الشكل المخزي، لو كنت الرئيس ما تراجع الإقتصاد، لو أصبحت رئيسا لأوقفت الحرب في أوكرانيا في يوم واحد.. وها هو قد أصبح رئيسا، فلا توقفت الحرب في أوكرانيا، ولا جرى حل مأساة غزة، ولا انتعش الإقتصاد، ولا عادت المصانع، ولا استعاد الدولار الثقة. العكس هو ما يحدث، وكان الرئيس ترامب معولا جديدا في هدم الثقة. قرارات متعجلة بشن حرب تجارية، أربكت البورصة والأسواق، يخسر حلفاءه في أوروبا واليابان وكوريا وأستراليا، ويلوح بالمزيد والمزيد من العقوبات التي تعزل أمريكا. يسحب جيوشه من أوروبا، ويطلب تحملها نفقات الحرب وحدها، يفرض بيع الغاز والنفط الأمريكي بأعلى من الأسواق، يعقد صفقات لا تقوم على المنفعة المتبادلة، بل مصلحة أمريكية فقط، مهما بلغت خسائر الشركاء، ويتباهى بأنه يمارس الضغوط لا الثقة. ولم يتعلق الأمر بالخارج فقط، بل تنفرط ما تبقى من الثقة في الداخل الأمريكي، تخلى عن كثيرين ممن كانوا مقربين منه، مثل إيلون ماسك. ويوسع الرئيس الأمريكي من دائرة خصومه، ويشن حملات على حكام الولايات الديمقراطيين، ويطرد كبار الموظفين الذين يشك في ولائهم، يستدعي الحرس الوطني ومشاة البحرية للإنتشار في ولايات أمريكية بحجة بسط الأمن، ينزعج الأمريكيون من وجود الجيش بلا مبرر، وينزعج المهاجرون الذين قرر طردهم، بل شن حملات تلقي القبض على كل من لا يحمل الملامح البيضاء، حتى لو كان مهاجرا شرعيا. المهاجرون كانوا أكثر من ساهموا في بناء أمريكا القوية، وإذا بهم يتحولون إلى مطاردين وخائفين. الطامة الكبرى كانت إنتقال عدم الثقة إلى الشركات الكبرى والبورصات، إلى الدولار والعملات المشفرة، وسرت الشكوك في أن الشركات تبالغ في قيمتها السوقية لترفع أسهمها بعمليات وهمية، تتبادل البيع مع شركات أخرى على الورق، لتقدم ما يقبت انتعاش مبيعاتها، ليعتقد الناس أنها في سبيلها لتحقيق مكاسب كبيرة، وترتفع الأسهم بسرعة، لكن أرقام أرباحها لا تبدو كذلك. العملات المشفرة ترتفع قيمتها بشكل جنوني، إرتفاعات غير منطقية، فما الذي رفع سعرها بأضعاف مضاعفة في وقت قياسي؟ لا شيء حقيقي، مجرد مضاربات، وعمليات شراء وهمية من جانب من أسسوها أو بالتعاون مع آخرين، ليزيد الإقبال الوهمي وترتفع الأسعار. ليست هذه العمليات التي يمكن أن تعالج أسعار أسهم الشركات أو العملات المشفرة، ولا ينبغي اللجوء إلى الإفراط في طباعة الدولار، بدعوى أن الإقبال عليه في العالم لا يمكن أن يتأثر، لأنه لا بديل للدولار في التعاملات التجارية الدولية. لقد سقطت الإمبراطورية الرومانية لفقدان الثقة في عملتها الفضية، عندما خفضت نسبة الفضة في الدينار بنسبة 10%، وفقد الدينار الروماني الثقة، ليهتز إقتصاد الإمبراطورية العملاقة. إن الدولار لا يستند إلا على الثقة، التي تتبدد الآن، وبدأت البنوك المركزية والتجارية في شراء الذهب بدلا من إحتياطياتها من الدولار، وانتقل عدم الثقة إلى الأفراد، وتجري محاولات إنقاذ الدولار عبر آليات مالية لا يمكن أن تستمر طويلا. إهتزت الثقة في أمريكا عندما اصطدمت بعقوبات صينية، لوحت فقط بمنع تصدير المعادن النادرة إليها، والتي كان يمكن أن تشل معظم الصناعات الأمريكية، فتراجع ترامب سريعا أمام الصين. إهتزت صورة أمريكا مع دعمها للمذابح في غزة، فانتفض طلابها، وعمت المظاهرات مئات المدن الأمريكية التي شعرت بالعار. كما تترنح أمريكا بسبب الإغلاق الحكومي الذي دخل شهره الثاني بسبب الخلافات حول عدد من أوجه إنفاق الميزانية، وتعطلت الكثير من مؤسسات الدولة، حتى رحلات الطيران. اهتزت الثقة في القوة العسكرية الأمريكية، التي فشلت في هزيمة إيران، ووهروب حاملات الطائرات والبحرية الأمريكية فخر القوة العسكرية من شواطئ اليمن .. علامات فقدان الثقة تتسع، ومعها تفقد السيطرة ويغيب العقل، وينهار كل شيء، سواء بالضربة القاضية أو بالنقاط.
2025-11-11