ألف يوم من المعركة… لكن الحرب لا تزال متواصلة!
سعادة مصطفى أرشيد*
ما حدث صبيحة السابع من تشرين الأول 2023 لم يكن مواجهة نمطية مثل آلاف المواجهات التي حدثت مع المشروع المعادي منذ أكثر من قرن من الزمن، وإنما مثلت فصلاً جديداً ومختلفاً يقارب ما حدث في الأيام الأولى لحرب 1973، ولحرب المقاومة اللبنانية مع العدو، تلك التي انتهت في عام 2000 بانسحابه من الجنوب مهزوماً وهارباً ومذعوراً من الضربات التي سددتها له المقاومة اللبنانية.
في زمن ليس ببعيد، كانت دولة الاحتلال تحقق الانتصارات الباهرة والسريعة على أنظمة الشعارات والكلام الحماسي، الأمر الذي انتهى عهده لا على يد النظم والدويلات والحكومات، وإنما جاءت هزائمها على يد قوى غير حكومية أتقنت الفعل والحساب، وهي ـ وإنْ كانت في حسابات موازين القوى التقليدية أضعف بكثير من العدو ـ إلا أنها امتلكت الإيمان والشجاعة والإصرار والاعتماد على القوة الكامنة في الأمة، فيما ذهبت الأنظمة للتطبيع وللاستسلام تحت رايات اتفاقيات السلام الزائف الذي أكدت الوقائع أنّه احتلال مقنع وإلحاق بدولة الاحتلال.
في بداية الحرب على غزة، أعلنت دولة الاحتلال أهدافها من الحرب والمتمثلة في القضاء على القدرات القتالية للمقاومة في غزة، وإزالة أيّ تهديد يمكن أن تمثله في المستقبل للمستوطنات التي تقع في ما أسموه غلاف غزة، وعن استعادة الأسرى الأحياء والأموات الذين تحتجزهم المقاومة في أنفاقها ومقابرها، وهذا يعني عودة هذا الجزء من فلسطين لسيطرة الاحتلال الأمنية والاقتصادية، ولكن هذه الأحداث ما لبثت أن تطوّرت وصولاً إلى تهجير الفلسطينيين والبحث عن أماكن لجوء جديدة لهم في أفريقيا وكندا وإسكندينافيا أو أستراليا، وإقامة مناطق سياحية مكان سكنهم أُطلق عليها اسم “الريفييرا الجديدة”، وإلى بناء شرق أوسط جديد يرث اتفاق سايكس ـ بيكو الذي جاوز عمره قرناً من الزمن، تكون “إسرائيل” فيه هي القوة الإقليمية المهيمنة بالأمن والعسكر والاقتصاد، وكان ذلك كله يأتي بتبنّي ومشاركة أميركية لدولة الاحتلال في أهدافها، ولكن مع الفشل وعدم القدرة على تحقيق هذه الأهداف أعلن الرئيس الأميركي خارطة طريقه والمكونة من 20 نقطة، لإنهاء الحرب التي لم تنتهِ وإنما استمرت بطريقة مختلفة.
اليوم، وقد تجاوزت هذه المعركة ألف يوم ولا تزال متواصلة، يُطرح السؤال المركزي: ما الذي تحقق من هذه الأهداف؟
لم تستطع دولة الاحتلال القضاء التام على إمكانية المقاومة العسكرية وإنْ استنفدت جزءاً كبيراً منها، ولم تستطع توفير الأمن للمستوطنين في جوار غزة، ولم تستطع إخراج الأسرى والجثث إلا بالتفاوض ومقابل الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين وبشروط المقاومة، ولا زال الفلسطيني في غزة متمسكاً بأرضه برغم ما يعانيه من جوع ومرض وعراء، ويرفض الهجرة وإنما يقيم في أكشاك وخيم ممزقة على أنقاض بيته، ثم أن خريطة طريق ترامب القاضية بنزع سلاح المقاومة والتي كانت متمسكة بهذا الشرط، لم تعد متمسكة به، وأصبح الأميركي يتفاوض مع حركة حماس بشكل مباشر (مفاوضات ستيف ويتكوف مع الدكتور خليل الحية)، ويوافق الأميركي اليوم دون استشارة أو استئذان من حكومة الاحتلال على نزع جزئي لسلاح المقاومة وهو الأسلحة الثقيلة دون تعريف دقيق لأنواعها أو لأوزانها.
لا نستطيع القول إنّ غزة بخير في بحبوحة، ولكنها بلا ريب في وضع أفضل مما كان سيحصل فيما لو هُزمت أو امتنعت عن القتال، فهي بسبب قتالها وإصرارها وشجاعة أهلها وصبرهم على أوجاعهم ومعاناتهم لا تزال قادرة على الصمود وعلى الانتصار في مرحلة مقبلة، وهي بلا شك مناسبة وتجربة تصلح ليقرأها بعض اللبنانيين المتردّدين أو الخائفين، وليدركوا أنّ مصلحتهم الحقيقية هي مع المقاومة اللبنانية لا مع بقايا هذا النظام المتهالك…
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-07-08