ما هذا الهراء العنصري المجاني الذي لن يغير شيئا ، سوى رفع وتيرة الصراع والمعاناة ؟ لو أقسم العالم كله على يهودية الدولة فلن تصبحوا سكانا أصليين ولن نصبح غرباء . لن تصبحوا ” شعب الأرض ” لأن شعبها الحقيقي موجود في مكان ما على هذا الكوكب . من يعترف لكم منا بيهودية فلسطين فسوف ينسلخ تلقائيا عن شعبه ، وإلى جهنم ! ومن يعترف لكم بذلك من غيرنا يقامر
إنكم متورطون إلى العنق في تاريخكم الذي لا يمكن أن يكون إلا بالقوة . وحتى القوة مهما بلغت من العظمة والفجور ، لا يمكنها أن تقلب قانون الكينونة رأسا على عقب . قانون يقره المحافظون الجدد بينكم ، يستطيع أن ينقضه أي طفل فلسطيني بابتسامة مائلة على شاشة التلفزيون وإلى الأبد . أما التاريخ فليس من طبعه المزاح . ولا سند لكم فيما تحاولون وترتبون سوى التفكير العنصري المتأزم بالفشل ، ونوع القوة التي تباع في اسواق السلاح . هذه القوة ينقصها المعنى وينقصها التزام الحقيقة ، وهما الشيء الوحيد الذي لا يتأكسد في تقلبات الطقس . فدعوكم من هذه النشوة المحرمة التي تحاولون بلوغها بدون جسد فعلي .
نتنياهو وليبرمان والبقية المصابة ، مشاريع للظاهرة الإنسانية المرضية ، التي اعتادت أن تستخدم جنون الوهم ، لتملأ فراغات الذات بالعظمة الكاذبة . إنهم لا يستطيعون إعطائكم وعدا إلهيا جديدا ، لم يستطع رغم سموه أن يجعل كنعان تفقد هويتها . كل ما يريدونه لحظة عظمة أمام زوجاتهم ، وأمام أباطرة المال الدولي الذي أرسلهم . إنهم أصلا لا يؤمنون بالأساطير الدينية ، ولا يضعون الكيبوت على رؤوسهم . كل ما يريدونه هو مغامرة الذات التي فقدت علاقتها بالواقع ، لكي يصبحوا عظماء . رغم كونهم يهودا فإنهم يسيرون في ذات الطريق الذي أدى إلى ظهور النازية . قد لا يهمهم ذلك في سبيل تحقيق أهوائهم ، ولكن ماذا عن الناس العاديين ؟ إن ظاهرة الرعاعية قد اختفت من المجتمعات المتقدمة ، وأصبح الفرد السليم عقليا ، صعب الإنقياد . أم أن العنصرية يمكن تمريرها منطقيا ، حتى على هؤلاء بالديموقراطية ؟
لقد فقد الفلسطينيون كل أرضهم .فقدوا حتى عطف المتفرجين ، انسياقا مع تأييد القوي ، قياسا على حلبات المصارعة . فقدوا أيضا جزءا كبيرا من نسيجهم الإجتماعي ، وفقد البعض منهم إنسانيته . فقدوا أي ميزان للقوة في المواجهة الميدانية . مات القسم الأكبر من جيل النكبة ، وأتي جيل المعاناة من النكبة الممتدة . فلماذا تظنون أنهم لا يزالون يقاومون بدمهم وحريتهم ؟ هل هم على غرار ليبرمان ونتنياهو يبحثون عن البطولة السياسية ؟ إنهم ليسوا أبطالا مجانيين على غرار أولئك الذين يقامرون بدماء غيرهم . إنهم يقاومون بأفدح ثمن يمكن أن يدفعه مقاوم . لماذا ؟
أنتم مجتمع متطور وصاحب تجربة شمولية ، وتستطيعون أن تدركوا الجواب . لا يوجد في جعبة العقل الطبيعي قانون يلغي الأمومة . ولا يوجد في جعبته أيضا قانون يحقق الأمومة المفتعلة . والفلسطينيون ليسوا شعبا غامض الهوية . إنكم حتى اليوم ، وربما بعد عشرة ألاف سنة مرغمون على أكل الخيار والبنادورة التي تنبت من تراب الفلاح الكنعاني . لن تشموا زهرة واحدة لم تنبت من جسد فلاحة فلسطينية . فلم هذه المكابرة !
لم يعد بفضل الصهيونية ، والمجرمين السلاليين للمحافظين الجدد في أمريكا ، قانون واحد ملزم للعلاقات البشرية . ويهودية هذه البلاد نبتة وهمية لن تنبت تينا ولا برتقالا ولا عنبا . لن تنبت حتى أفرسيمون أو كيوي أو أفوكادو . واختلال الوجدان البشري ، لم يفد في العراق وأفغانستان سوى الدمار والخراب والدم . لن يصنع أحد التاريخ خارج التاريخ ، أو في مطابخ الوهم .
لقد حكم علينا أن نلتقي في ملابسة مأساوية فريدة دبرها رأسالمال العالمي . وبعد تجربة عينية امتدت اثنين وستين عاما من المعاناة ، كان المنطق يقول أن الأمور يجب أن تأخذ منحى نحو الخروج من الورطة المشتركة ، لا نحو آفاق الغيبية والعنصرية وأوهام القوة المستبيحة وتعميق التورط . إن المحافظين الجدد لديكم ، وحكماء ما بعد الصهيونية ، يتجاوزون حدود ما تسمح به القوة إلى حدود ما تسمح به الألوهية ، أو حدود ما يريده ليبرمان الأقل تواضعا من الآلهة . هذا يعني أن على الفلسطينيين كلهم أن يصبحوا مسلمين أو عملاء مباشرين للصهيونية . وهذا لن يحدث . والتهويد تصعيد ديني وقومي مجاني للورطة لا لزوم له عمليا أو تاريخيا .
هذه المرة الأولى التي يصادف فيها العقل عصا بطرف واحد . إذا اعترفنا بيهودية فلسطين ، وليس إسرائيل كما يظن مفكرونا الموهبون مثل عزمي بشارة ، فقد خسرنا حقوق المواطنة بالقانون ، وإذا لم نعترف خسرناها بالقانون أيضا . لذلك لا ضرورة للتوقيع . وماذا يعني بالنسبة لنا ما تسمونه حقوق المواطنة ؟ أية حقوق ؟ لعلكم تعنون ( حقوق المواطنة للعرب ) ؟ طز، أيها الزملاء المواطنون ! متى كانت الحقوق الممنوحة لنا مصدرا لغير التعاسة والإهانة ! خذوها واعتبرونا سجناء قيد الترحيل . فنحن نعرف أن هذا هو الهدف النهائي من القانون ، وأن ما سيأتي أسوأ مما يحدث الأن ؟ فالنتيجة واحدة بالنسبة لنا ولكم . حتى الحقوق التي دفعنا ثمنها من عملنا كالتأمينات ، تقول أن المريض العربي مصيره مجهول يتعلق ” بكبسولة ” الموظف العنصرية المتعامل معها . وهكذا بالنسبة للتأمينات الأخرى . أعيدوا لنا ما دفعناه ولا نريد تأمينات خاسرة بالنسبة لنا ، يستفيد منها غيرنا . فما هذا الهراء الذي تدبرونه بطريقة ملتوية ؟
أطردونا من بيوتنا ، وسنقاوم ونفشل . وينتهي الأمر ، ولكن هل تنتهي الورطة ! هذا كلام مباشر وبسيط وربما ساذج أيضا . ولكن الحقيقة هكذا دائما . مباشرة وبسيطة وساذجة . الأمر الذي يحتاج إلى مناورة وتلاعب وفذلكة هو الكذب . ونحن لا نكذب . لم يتضرر أحد من كذبة المواطنة كما تضررنا نحن . كلفنا ذلك حتى الآن أكثر من مائة عضو كنيست عربي ، فقدوا صلاحيتهم الفلسطينية والإنسانية . وكلفتنا التنعم الدستوري بالقوانين العنصرية وقوانين نهب الأراضي . وكلفتنا مفكر قومي يفكر عنكم في قطر بعد تحويله ليبراليا . وكلفتنا بناء تل أبيب وغيرها بأقل من نصف الثمن . كلفتنا دما أيضا . نحن لا نريد مواطنة ممنوحة في وطننا . نريد أن نبقى فيه سجناء .
وهناك مشكلة إضافية ! المطلوب الإعتراف بيهودية ” إسرائيل ” . ولكن ما هو المضمون الجغرافي لهذا المصطلح ؟ إسرائيل تسمية تساوي يهوديا بلدان المشرق العربي كلها ، وفعليا تساوي أسطورة . فكيف يحق لنا دستوريا كمواطنين إسرائيليين التوقيع على يهودية كل فلسطين والأردن والعراق وسوريا ومصر أو أجزاء منها ؟ وإذا قامت إسرائيل الكبرى باحتلال قرغيزيا وضمها إلى إسرائيل فستصبح تلقائيا أرضا يهودية . فهل نساهم في تهويد قرغيزيا أيضا وهي ليست جزءا من إسرائيل التوراتية . نحن قانونيا ودينيا مخولون بالتوقيع على يهودية فلسطين ، فكيف نكون مخولين بالتوقيع على يهودية قرغيزيا ؟ ضميرنا لا يسمح لنا بالتوقيع على يهودية إسرائيل لهذا السبب !
إن تورطكم في التاريخ الصهيوني ، لن يخرجكم منه ليبرمان أو براك أو نتنياهو . إنهم تورط إضافي في ما بعد الصهيونية . الذي يخرجكم ويخرجنا من الورطة ، هو اندماجنا في دولة فلسطينية ، يمنحكم ويمنحنا فيه الشعب الفلسطيني صاحب الجغرافيا والتاريخ حق المواطنة الكاملة .