ألإعداد لمؤتمر أوسلو الثانية أين مؤتمر الشعب الفلسطيني ؟!
الراحل أحمد حسين
أصبح معلوما للجميع أن ” أوسلو ” قد استنفذ أهدافه كلها على سياق التصفية الفلسطيني ، وأنه بلغ مداه التكتيكي الأبعد من هذه الناحية . وقد أعلنت كل أطراف ” التسوية ” عن نهاية مرحلة أوسلو كل بأسلوبه الخاص والمناسب . وبالمنطق الآلى فإن تعاقب المراحل في مشروع محدد الأهداف مثل مشروع التصفية ، وفي غياب أية عوائق أو عراقيل فنية ،أو قوى اعتراض خارجية ، هو تعاقب ذات الأطراف وذات الأهداف على موضوعيات الأداء المتجددة للسياق .
لقد كان مشروع أوسلو مشروعا تكتيكيا من حيث النوايا . كان الهدف منه إحداث نقلة نوعية في وعي الضحية ، تتخلى من خلالها عن وعيها الأيقوني للنكبة كحادثة اغتصاب مرتبطة بتلقائية التحرير واستعادة الوطن ، إلى وعي جديد يتبنى مقولة عبثية عودة التاريخ إلى الوراء ، فتصبح النكبة بدورها نقلة نوعية تاريخية تحولت إلى أمر واقع لا جدوى من محايثته ارتداديا . وقد نجح أوسلو سياسيا في أداء مهمته التحويلية نجاحا فائقا ، لم يكن ليتحقق لولا توفر ممثل وطني شرعي للشعب الفلسطيني بمسمى ” منظمة التحرير الفلسطينية ” ، يتمتع بولاء شعبي فلسطيني موروث ، موزع فصائليا ، ولكنه مجمع على قدسية الإطار . كان التناقض بين وعي الشعب الفلسطيني ، الذي رأى في التسوية خطوة تكتيكية إلى الأمام في سياق التحرير ، كما جعلوه يعتقد ، وبين وعي ” منظمة التحرير” التي سلمت بتبني سياق أوسلو كاستراتيجية تسوية ، ستؤدي أليها المفاوضات ، تناقضا دفع الشعب الفلسطيني من خلاله ثمن الخيانة مرة أخرى كما حصل سنة 48 ولكن مضاعفا . كان يعتقد أنه يضحي من أجل الصمود على هدف التحرير ، بينما كان دمه يستثمر في لعبة التسوية التي تهدف إلى تقريبه من مرحلة التصفية . ولم يكن ذلك ليحدث بهذا الشكل العبثي لولا ثقته التقليدي بقيادات المقاومة و ” بالممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ” .
كان مشروع الإلغاء يعرف مسبقا أن أوسلو واحدة لن تكفي لتحقيق هدفه النهائي ، وأنه لا بد من تعاقب متسلسل لمراحل تحقق كل منها نقلة نوعية للسياق ، وتمهد الطريق أمام مرحلة جديدة تحقق نقلة نوعية أكبر نحو الهدف التصفوي . ومع أن الإعتماد على آلية الذبح والتنكيل حتى بإنسانية الفلسطيني لتحقيق النقلة النوعية في وعيه ، إلا أن المشروع ، كان يعرف استحالة تثبيت النقلة النوعية بدون شراكة فلسطينية مباشرة ، معترف بها وجدانيا وتمثيليا ودوليا . أي بد من حضور ” ممثل شرعي ” على مراسيم التسجيل لتكتسب النقلة ديناميتها السياسية والوجدانية بل والتاريخية بشكل أساسي ، لتصبح إحدى محطات الأمر الواقع التي تحقق الفصل التدريجي بين الفلسطيني وذاته الوطنية .
لذلك ومع انتهاء أوسلو الحالي ، فإن أهم بنود التكوين في المرحلة الجديدة ، هو إنشاء الشرعية الفلسطينية المناسبة ، التي ستقوم بالتبني الوطني للمرحلة ، وتمنح للتراجع الفلسطيني الجديد الذي سيشكل النقلة النوعية الجديدة صفة الإنجاز الوطني . والإجراءات في هذه الإتجاه قائمة على قدم وساق .
لا أحد يعرف تفاصيل الحركة المفترضة على المرحلة الجديدة سوى المخرجين . ولكن المتوقع هو ترميم هياكل الفشل الفلسطيني القديمة ، كآليات أثبتت نجاعتها قبل أوسلو وأثناءه في تشويه صورة الوجود الفلسطيني وانتقاصها . وكما تشير تفاصيل الحركة على المشهد فإن هذا الترميم سيشمل أول ما يشمل ما يسمى بفصائل المقاومة ، ودمجها معا في رؤية فضفاضة موحدة ، لخلق شرعية فلسطينية جديدة تقوم مقام منظمة التحرير في احتضان وتمرير مشروع “التسوية” الجديد . ومن المؤكد أن هذه الشرعية الجديدة ستكون شكلا تطوريا لما كان . ستكون ذات طابع تمثيلي تعددي تسهل تسلل كل سفاهات النخب الفلسطينية القديمة ،وعلى رأسها نخب التطبيع والتسوية ، من اليسار الليبرالي واليمين الليبرالي والقومي الليبرالي إلى واجهة المشهد . وباختصار بما أن النخب المصنعة حديثا ، مثل المنسق الدولي الليبرالي الجديد د. عزمي بشارة ما يزال في طرقه إلى القمة ، أي الأمانة العامة للجامعة العربية ، لم يأت دورها بعد ، وبما أنه لا يكمن تدخين نفس السيجارة مرتين ، فإن البديل الأفضل الآن هو جمع أعقاب السجائر التي سبق استعمالها وتكوين سيجارة واحدة منها جميعا . وسوف تكون سيجارة معتبرة الكم ، مضمونة الكيف ، وحلقة بداية فقط لافتتاح المشهد .
كما أن عامل الوقت يبدو على درجة بالغة من الأهمية بسبب الظروف المشحونة بالتوقعات .
وكون المشروع على عجلة من أمره واضح في الحركة ، وذلك تفاديا واستباقا لأية مشاريع خارج السياق . فقد ولدت مرحلة أوسلو المريرة توجهات وتعديلات وعيوية في عقول نخب وشرائح الوعي الصامت والرافض ، يمكن أن تسفر عن حركة غير متوقعة ، تقطع سياق المرحلة التآمرية الجديدة . وقد أنعكس هذا الإستعجال على شكل استنفار شامل من جانب فصائل المقاومة لنواديها ” الحركية الثقافية ، على اتساع الساحة للقيام بحركات ” نهضوية ” ذات طابع يجمع بين التشدد الوطني الإجتماعي والحقوقي ( القانوني) وبين الإلتزام بمبدأ التسوية العادلة ، بهدف ضمان أقصى حضور تمثيلي وقيادي لها على بنية الترميم الهيكلى الجديد ” لمنظمة التحرير ” الجديدة . من الفصائل من نزلت إلى الساحة بنخبها القيادية مباشرة ، لأنها من فصائل اليسار التسووي والتطبيعي التي ليس لديها ما تخفيه . وقد استغلت إباحية المرحلة ، ووجبات التنكيل المتلاحقة بصمود الشعب الفلسطيني ،إلى أقصى حدودها الممكنة لطرح مشروعها ” المقاوم ” المتسم بالواقعية ، من خلال اللقاءات والبيانات والمقالات المتلاحقة لعمدائها شخصيا . أما فصائل الرفض اليساري ، فقد اعتمدت على الطروحات الفكرية والثقافية التي قام بها ملحقوها الثقافيون على كل ساحات التواجد الشتاتي للفلسطينيين . وغرقت هذه الساحات المستباحة الوعي في سيل من “الرؤي والمشاريع الإستراتيجية الوطنية ” كجزء من الحملة الإنتخابية التي تقودها الفصائل ” والقوى ” النضالية على مشارف المؤتمر الوطني الإستراتيجي الذي لا بد من عقده ظاهريا ، تحت دعوى الحالة المحبطة التي يعاني منها مشروع المقاومة الوطنية الفلسطينية . والقاسم المشترك بالمطلق لكل تلك الرؤى والإستراتيجيات هو الإرتجال ، بحكم كونها لوجستيات حزبية فصائلية فقط لا غير ، وبمعرفة محرريها . أما القاسم المشترك النسبي لها فهو تعدد المواقع على خط التسوية .
لم يكن سياق أوسلو الأولى الرهيب ليمتد ويبلغ مداه ، لو تم اعتراضه بعد تغيير الميثاق الفلسطيني ، بمشروع وطني ، منبعث بمبادرة نخبوية من القاعدة ، يؤكد على خيانة من قاموا بذلك ، ورفضه لأي زحزحة في الإصرار الفلسطيني على كامل حقه الوطني . كان الفلسطينيون سيوفرون كثيرا من دم الشهادة الذي سال على بساط التصفية والتنازلات ، بدلا من أن يسيل على درب التحرير . واليوم على مشارف أوسلو الثانية ، لم يبق أمام الشعب الفلسطيني سوى خيارين لا ثالث لهما . متابعة السير في طريق التصفية والإبادة الوطنية ، أو استباق أوسلو الجديد بمشروع إجهاض شعبي ، يطرح الحق الفلسطيني من خلال استراتيجية وطنية ، ليس على خلفية الوعي الأيقوني لكل فلاحي وعمال ومثقفي الشتات فقط ، وإنما على خلفية الوعي الأحفوري للوجدان ، الذي يخاطب الحجارة بالصلوات . ليس لأن التشدد من جماليات العلاقة بالوطن ، ولكن لمكافئة الخطر الغولي الذي يتضمنه مشروع ” التسوية ” . فما دام المطروح صهيونيا هو الإجتثاث الأحفوري للوجود الفلسطيني ، فالرد الدفاعي المنطقي هو التزام وطني مقابل ، لا يمجد الأرض والبيت والهوية الماثلة للعيان بل وأحافير الزمن الفلسطيني في باطن الأرض . الشعب الفلسطيني ليس عقيما ، زمنه هو العقيم بفضل نخب الرذالة التي تتولى أمره فلسطينيا وعربيا ، وبفضل متطفلى الثقافات والأيديولوجيات من خريجي مدارس الكلام ، والذين يطرحون العلمانية والديموقراطية والثقافويات الأيديولوجية ، وكأنها نقيض الحق والإنسان والوطن . ألشعب الفلسطيني مليء بالنخب الساكنة التي لو تحركت لقلبت الأمور كلها رأسا على عقب .
ويبدو أن هذه المرحلة من مشروع التصفية هي مرحلة المؤتمرات الوطنية والقومية والدينية ، أي مرحلة تصنيع الآليات ذات الوزن التمثيلي الثقيل لمشروع التصفية المقترب من تحقيق أهدافه . إن آليات من هذا الوزن فقط ، هي التي تملك صلاحية التوقيع على تقويض آخر مصادر الوعي الفلسطيني المخالف لمبدأ التسوية الإجتماعية للقضية الفلسطينية . فأين هو مؤتمرالوطن بين كل هذه المؤتمرات ؟ أين هو مؤتمر الشعب الفلسطيني ومؤتمر فلسطين ؟ أين هو صوت الشتات والمعاناة والقهر ؟ لا يوجد نخب في مدن تجار الجملة سوى النخب التفاوضية والعميلة . لأن النخب الحقيقة أكلتها وتأكلها أنياب التصفية والإستشهاد أولا بأول . فأين هي نخب الشتات ؟
تسوويا ، يجب نسيان مقولة الوطن من أساسها وإخراجها من الوعي سلفا . ففلسفة التسوية السياسية كما يتم طرحها رسميا ، تنطلق من التسليم بأن موضوع البحث ليس عن أمر واقع جديد ، وأن وطنية الحضور الإستيطاني والشتاتي اليهودي على فلسطين هي الأمر الواقع . وبهذا يصبح الشتات الفلسطيني مقصورا على تسوية يتنازل فيها الفلسطيني عن وطنه ، مقابل قبول الإسرائيلي مبدئيا باستضافته على جزء من التراب الوطني اليهودي في غزة وجزء من الضفة الغربية ، ولدوافع إنسانية فقط . هذا هو المضمون الرسمي والمعلن عنه لمبدأ التسوية ، أما المضمون الفعلي لمشروع التسوية التنفيذي ، كما أثبتت التجربة ، فهو أنه آلية سياق ممتد لطرد من تبقى من الفلسطينيين على أرض الميعاد ، فقط مقابل الكف عن ذبحهم وتجويعهم وحصارهم . إسرائيل تعرف أنها لن تدخل أبدا منطقة الأمر الواقع مع وجود مصطلح فلسطيني ولو نظري . وأية تسوية لا تتضمن إلغاء الوجود النظري لهذا المصطلح لا يمكن أن تقبل بها إسرائيل أو المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة أبدا .
وطنيا ، لا يمكن الرد على مخطط الإلغاء التسووي ، وقطع الطريق على مجرياته التصفوية قبل فوات الوقت ، إلا بطرح استراتيجي فلسطيني يقلب معادلة التسوية بالتصحيح التاريخي لقضية الحق ، بحيث تكون أحقية الشعب الفلسطيني على وطنه ، هي المرجعية لأية تسوية للإشكالات التي خلفها المشروع الصهيوني . إن التسوية مع الشعب اليهودي في فلسطين لن تكون مستحيلة أو حتى صعبة مع تسوية الخلل الذي أحدثته الصهيونية في وعيه . أما التسوية مع الشتات الفلسطيني فهي استحالة نظرية وعملية أيضا ، وعلى المدى الأبعد هي أيضا استحالة قومية لارتباط المشروع الصهيوني بالمشروع الدولي الإمبريالي للتصفية القومية .
إن الدعوة إلى إقامة مشروع وطني فلسطيني ، على قاعدة شعبية واسعة ، وبإمداد نخبوي مباشر من القاعدة الشعبية ، هو مرحليا السبيل الوحيد لوقف الذبح المجاني للفلسطينيين على خلفية مشاريع التسوية التصفوية ، ولوقف التعفن القيادي والفصائلي الذي أخذ يمتد إلى بؤر التعفن الثقافي الثانوية على الساحة الفلسطينية . واستراتيجيا هو الطريق الوحيدة التي ستصنع السلام بين الطرفين الفلسطينيين العربي واليهودي في فلسطين واحدة علمانية وديموقراطية قائمة على المساواة التامة في الحقوق والواجبات والإنتماء الوطني . كل مشاريع التسوية الأخرى حتى لو صدقت نواياها ، هي فقط تأجيل للكارثة التي ستحل بالطرفين .
يجب أن أعتذر عن أنني أكرر ما سبق وقلته من قبل ، ولكن لدي هاجس ملح بأن المشروع الذي يجري التحضير له الآن ، سيفتتح مرحلة جديدة من المعاناة الفلسطينية يتجاوز فيها الضغط على الجسد إلى الضغط على المعنى أيضا . لذلك يجب استباقه بمشروع يؤكد على على الإلتزام الوطني الشعبي ، يعطل آلياته الفلسطينية التسووية ، ويفرغ محتوياته من الجدوى . إن بقاء المعنى هو استراتيجية الإنسان الفلسطيني الممتدة ، لأنها هي التي ستلغي أية مرحلة سابقة أو لاحقة وتصنع مرحلتها ولو بعد حين . اما إذا سمحت تنويعات الشتات الفلسطيني بتمريره فسنظل نتخبط في مشاريع التصفية .
2008