أردوغان لن يعتذر وينتظر شكرا من القيادة السورية على جردة الحساب
اسماعيل القاسمي الحسني
إن من أصعب ما يعترض المرء عند طرح موضوع أوقضية ما، الغرق في جدال لا يعدوجوهره عن كونه سفسطائية بأبعاد فلكية؛ والانجرار الى ثقوب سوداء توصف ظلما بالفكرية، لا يعني إلا الدخول بمحض الارادة في العدمية المطلقة؛ نقول هذا تبريرا لتجنب مناقشة واحد من أخطر الثقوب السوداء، الذي فتحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مصرعيه، حين قدم حججه لضرب الطائرة العسكرية الروسية، والتي كان عنوانها تلكم العبارة البرّاقة “سيادة الدولة”؛ طبعا هناك من انصرف فعلا للجدل حول: هل اعتدت الطائرة الروسية على الأجواء التركية أم لا؟
وتسابقت الأطراف المعنية بشكل محموم، عبر وسائل الاعلام المرئية منها والمقروءة في هذه الحلبة الحلزونية المغلقة؛ في حين أن هذه “السيادة” الوهمية أوالمزعومة، لم نرى لها أثرا ذات فجر 31 مايو2010، حين قام العدوالاسرائيلي بالهجوم على سفينة Mavi Marmara التركية في المياه الدولية، مع أن انذارات وتهديدات افغدور ليبرمان قبل العدوان بأيام كانت جدية، وتم عمليا الهجوم والقتل بدم بارد ( أكد تقرير الطب الشرعي بأن فرقان دوجان قتل باطلاق النار عليه من مسافة قريبة: أربع رصاصات في الصدر والخامسة في الرأس) على سبيل المثال لا الحصر.
لم يكلف السيد اردوغان نفسه تحريك آلته العسكرية، لحماية مواطنيه وهم بالمئات من همجية العدوالاسرائيلي، ولم ينتفض عنوان “السيادة والدفاع المشروع″ بعد العدوان عليهم وقتل بعضهم واعتقال بقيتهم، بل انتهت المأساة الدموية باعتذار شفوي عبر مكالمة هاتفية بائسة، لتعود العلاقات بين تركيا والعدوالاسرائيلي الى أحسن مما كانت عليه من قبل، سواء على الصعيد الاقتصادي اوالتعاون العسكري بل والتحالف الاستراتيجي.
أخطر من ذلك إذ لم يجرء الرئيس اردوغان على حماية مواطنيه وإنقاذهم من موت محقق، ألغى مفهوم “سيادة دولة” (وفق القانون الدولي الذي يتعلل به) لانقاذ رفاة ” سلطان شاه” بداية هذا العام فقط وتحديدا 2015/02/21، متوغلا بقوته العسكرية في قلب البادية السورية؛ مع أن القانون الدولي الى لحظة كتابة هذه السطور يعتبر سوريا دولة ذات سيادة يمنع انتهاكها. إذن لانقاذ حياة مواطنين أتراك من قتل العدوالإسرائيلي لا وجود لسيادة الدولة التركية، ولانقاذ رفاة ميت تركي تلغى سيادة دولة أخرى؛ هنا أتحدث عن القانون الدولي مجردا، وليس عن اعتبارات هذا أوذاك، والاعتراف بشرعية النظام السوري من عدمه، لا علاقة له بالواقع القانوني لسيادة الدولة السورية، وانتهاك حرمة أراضيها وأجوائها ومياهها.
دعونا نتكلم فيما هوجد، بدل الهذيان السياسي المصاب بحالة اسهال حاد
أعترف بأن الاحداث والتطورات في الشرق الأوسط إن لم يكن في كل العالم، لا يحكمها منطق القانون وإنما منطق القوة، هذا لا ينسحب على سوريا فقط، كما يريد البعض ان يوهم الرأي العام، بل تركيا ذاتها حين شعرت بالعجز أمام قوة العدوالاسرائيلي لم تحرك ساكنا، وأذعنت لآلته العسكرية، اللهم تلكم العبارات الانشائية التي لم تغير من واقع ما أراده العدوقيد انملة، بل أذكر بعدها وعيد اردوغان بتسيير قافلة أخرى الى غزة تحت حماية البوارج والطائرات العسكرية التركية، لكن لا شيء من ذلك وتبين أنها مجرد أقراص ” الكبتاغون” توزع على الأتباع والمعجبين، ليستشعروا في قيادتهم وذواتهم قوة ومقدرة مُتوَهَمَتين.
وعلى ما تقدم ذكره يرتفع السؤال الموضوعي والعقلاني: ما هي جردة الحساب حين أسقطت تركيا الطائرة الروسية، واغتالت المجموعات التابعة لها أحد طياريها، وهوينزل بمظلته خارجا عن كل القواعد وأعراف المواجهات العسكرية منذ فجر تاريخ البشرية، في مشهد يعكس مدى جهل وهمجية وتخلف الفاعل وداعمه؟.
لنبدأ بما حققته تركيا: 1) على الصعيد المادي أسقطت طائرة سوخوي قد لا يتعدى سعرها ثلاثين (30) مليون دولار.2) قتل طيّار واحد. أما على الصعيد المعنوي: لا شيء سوى رسم لوحة ميتافيزية وفق العلوم السياسية، توحي بأن تركيا بحجم قوة روسيا، غير أن تلكم اللوحة بألوان مائية سرعان ما تتبخر. هل من شيء آخر قد أغفلته؟.
في المقابل ماذا جنت القيادة السورية من العملية التركية؟ لنبدأ بالجانب المادي كذلك:
ما كشفته الدائرة الصحفية لوزارة الدفاع الروسية منذ أكثر من شهر (2015/10/06) عن عدد طائراتها ومروحياتها القتالية هوخمسين (50)؛ فقد كشفت صحيفة “كوميرسانت” الروسية يوم أمس، عن قرار إرسال مزيد من الطائرات لحماية مقاتلاتها، قد يزيد عن اثني عشر (12) أوأكثر؛ والمحصلة أن سوريا استفادت أكثر من القدرات الروسية، فقد عوضت خسارة طائرة أسقطتها تركيا، بعدد طائرات يزيد عن عشرة أضعاف فضلا عن الطيّارين طبعا.
ما كان يفترض لدى تركيا هدفا، وهووقف القصف الروسي أوالحد قليلا من وتيرته على الشمال السوري، يبدوأنه جاء بنتائج عكسية تماما، فمن ساعة اسقاط الطائرة الروسية، تضاعف عدد الطلعات والغارات على المناطق التي توهمت تركيا بأنها محميتها (جغرافيا وعرقيا) الى أكثر من 134 وضرب ما يقرب من 500 هدف على الحدود التركية، من بينها أهم المعابر “باب السلامة”، بل أكثر من ذلك انظم يوم أمس الطيران السوري، بقصفه لمواقع على ثلاث كيلموترات وأقل من ذلك على الحدود كذلك.
لكن ما لم يحسب له حسابا السيد اردوغان ومن يقف خلفه، هوسقوط تمنّع الروس عن تزويد سوريا بمنظومة صواريخ دفاعية متطورة، مباشرة بعد اسقاط الطائرة الروسية، فمن المعلوم أن الطلب السوري لهذا النوع من الصواريخ الدفاعية يعود لعهد الراحل حافظ الأسد، وقتها كان الحديث عن منظومة S300، وبعد القرار التركي العبقري اختزلت كل الجهود السورية، وتهاوت كل الضغوط الامريكية، ليعلن رئيس إداراة العمليات في هيئة الاركان الروسية سيرغي رودسكي بأن طراد موسكو(المجهز بمنظومة دفاع صاروخية “فورت”) سيرابط شمال سوريا بالقرب من اللاذقية؛ جاء ذلك مباشرة بعد العملية التركية، ولم تمضي ثلاثة ايام على الحادثة حتى أصدر الرئيس الروسي موافقته على تزويد سوريا بمنظومة S400، وهوما تم فعلا ودخلت المنظومة بشكل عملي في الخدمة العسكرية؛ هذه الخطوة غير المتوقعة بالمرة قلبت كل قواعد الاشتباك، وها نحن نسمع التخوف الجدّي الامريكي ونسمع عويل وصراخ أتباعه على رأسهم العدوالاسرائيلي. (انظر ما تناوله زهير اندراوس في مقاله أمس بصحيفة رأي اليوم)؛ خلاصة هذه النقطة استرجاع سوريا لشريطها الحدودي جوا، لتعمل على سحب جغرافيته من تحت أقدام تركيا، دون أن تستطيع الأخيرة أن تغامر ثانية باسقاط طائرة أخرى، فقد صرح فلاديمير بوتين بأن إسقاط طائرة روسية مستقبلا يُعد “إعلان حرب” بشكل مباشر، ليخفض الرئيس التركي بالقول عبر قناة CNN يوم أمس: “لوعلمت تركيا بأن الطائرة روسية، لتصرفت بشكل مختلف”، بالعربي الفصيح: لن يُرفع شعار حماية سيادة الدولة، ولن يتم اسقاط الطائرة.
إذن ما تحصلت عليه سوريا عمليا: مزيدا من طائرات السوخوي وطائرات قاذفة، والحصول على منظومة S400، يضاف الى ذلك تحرير مجالها الجوي على الشريط الحدودي، وتقدم في تحرير أرضه.
أخيرا، لن نُفصّل في خسائر تركيا الاقتصادية الأخرى، التي تحضر لإعلانها غدا روسيا، ففضلا عن قطع وريد السياح الخمسة ملايين روسي، وما يدفّقونه من مئات الملايين من الدولارات على الخزينة التركية؛ قد ينتهي الأمر فعلا بالغاء مشروع خط انابيب الغاز نحواروربا عبر تركيا، الذي كان ليعود بفوائد مهمة، مرورا باستبدال بعض صادرات تركيا لروسيا، بنظيرتها الايرانية، وهوما يصب في مصلحة سوريا حتما؛ لكن أخطر من كل ذلك لمن ينتظر ردا روسيا مباشرا على اسقاط السوخوي، هوالخيار الروسي المفتوح الآن لدعم “الأكراد” في تركيا بالسلاح، وإطلاق يد الدّب الجريح ليضرب بمخالب كردية، لا محالة تضع تركيا داخليا على كف عفريت، نتيجة نزيف دموي حاد لا قبل لتركيا بتحمله.
يمكن للرئيس التركي أن يردد ما طاب له: تركيا لن تعتذر لروسيا، بل يمكنه بعد جردة الحساب هذه، أن ينتظر شكرا حارا من قبل القيادة السورية.
فلاح جزائري
عن رأي اليوم
2015-11-27
