أربعة دوائر لفرض التفرد الأمريكى!
د. محمد السعيد إدريس
المشاكل التى تواجه دعوة حوار الحضارات كثيرة ومعقدة ليس أهمها ما سبق أن أكدناه من اختلال شديد فى توازن القوة والمصالح، ومن ثم فى المكانة بين الحضارة الغربية وحضارات العالم الأخرى، بل أيضاً لأن هذه الدعوة، التى عبرت عنها أطراف دولية تنتمى إلى حضارات الشرق بالذات، وخاصة الحضارة العربية- الإسلامية، تجئ فى زمن وصلت فيه نوازع التفرد والهيمنة على النظام العالمى ذروتها من جانب الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية. نوازع السيطرة والتفرد هذه أمريكية لا تقبل المشاركة حتى من جانب الأمم الغربية الأخرى وبالتحديد أوروبا الغربية وكندا، وأمم أخرى شرقية تعتبر نفسها جزءاً أساسياً من النظام الرأسمالى العالمى الذى هو الآن الواجهة المعبرة عن الحضارة الغربية مثل اليابان واستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، لذلك أضحت قضية التفرد والهيمنة أمريكية بحتة أكثر منها غربية أو رأسمالية.
استراتيجية الأمن القومى الأمريكى التى عرضها الرئيس الأمريكى الحالى جو بايدن (أكتوبر 2022) كشفت بوضوح شديد هذا المعنى عندما أكدت أن حاجة العالم حالياً إلى “القيادة الأمريكية” كبيرة أكثر من أى وقت مضى، وأن الولايات المتحدة “تخوض حالياً منافسة استراتيجية كبيرة لتشكيل مستقبل النظام الدولى”، وأنه :لا توجد دولة فى وضع أفضل للنجاح فى هذه المنافسة من الولايات المتحدة”. هذه النظرة المتعالية المفرطة فى الغطرسة جعلت الولايات المتحدة أكثر استبداداً وظلماً وبطشاً من كل الذين تصفهم الولايات المتحدة بـ “الدول الشمولية الاستبدادية”، وجعلت الولايات المتحدة تكيل كما تشاء، وتضع المعايير كما تشاء، وتصنف الدول كما تشاء، هذا ديمقراطياً حليفاً وهذا خصماً استبدادياً، هذا مرغوباً، وهذا منبوذاً، والمعيار فى كل هذه التصنيفات هو المصالح العليا الأمريكية التى ترتكز على قاعدة صلبة من النوازع العنصرية والتمييزية ، وقاعدة أشد صلابة من القوة العسكرية التى فاقمت نوازع الهيمنة غطرسة وتفرداً يدفعها إلى عدم السماح لأى قوة دولية أخرى بمزاحمتها.
أحد المؤشرات الدالة على ذلك هو رعاية إدارة الرئيس الحالى جو بايدن لما يسمى بـ “قانون تفويض الدفاع الوطنى للسنة المالية 2023” حيث بلغت ميزانية الدفاع الأمريكية 858 مليار دولار، أى ما يعادل أكثر من 40% من إجمالى الإنفاق العسكرى العالمى، بزيادة عن ميزانية العام الماضى تصل إلى 136 مليار دولار ، توجه تدعمه عشرات بل وربما مئات القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة فى كافة أنحاء العالم مسنودة بأكثر من ستة أساطيل أمريكية كبرى مهمتها الهيمنة على المحيطات والبحار فى العالم. ويمكننا تحديد أربعة دوائر تحرص الولايات المتحدة على تركيز سياسات المواجهة مع أطرافها باعتبارها دوائر الخطر على الأمن القومى والمصالح الأمريكية، وباعتبارها فى ذات الوقت مصادر التهديد المؤكدة والمحتملة لسياسة التفرد الأمريكية بالسيطرة على العالم هى أولاً الصين وثانياً منطقة المحيطين الهندى والهادى ، وثالثاً أوروبا “حيث الخطر الروسى”، وأخيراً أفريقيا وأمريكا اللاتينية كساحتين للمنافسة مع الصين وروسيا ودول أخرى تصنف حليفة للولايات المتحدة، حيث تنص استراتيجية الأمن القومى الأمريكية المشار إليها على أنه “لابد أن تحافظ استراتيجيتنا الدفاعية على الردع وتعززه ، سيما مع جمهورية الصين الشعبية”. وتزيد هذه الاستراتيجية أن “روسيا تمثل مع جمهورية الصين الشعبية تحديات مختلفة . فروسيا تشكل تهديداً للنظام الدولى الحر المفتوح إذ تستخف بالقواعد الأساسية للنظام الدولى، كما تجلى فى حربها (الوحشية) فى أوكرانيا، وفى المقابل نجد أن جمهورية الصين الشعبية المنافس الوحيد الذى يضمر نية إعادة تشكيل النظام العالمى”.
هذا يعنى أن توجه أى دولة فى العالم للعمل من أجل إعادة تشكيل النظام العالمى كما هو حلياً يصنف أمريكياً خطراً استراتيجياً من المستحيل أن تسمح الولايات المتحدة الأمريكية بحدوثه، لذلك تسعى الولايات المتحدة إلى العمل فى اتجاهين لوأد أى نية لهذا التوجه . الأول من خلال مواجهة القوى الدولية الطامحة لتعديل هيكلية النظام العالمى بإنهاء نظام التفرد الأمريكى لصالح نظام عالمى بديل أكثر ديمقراطية وعدالة لا تسيطر فيه الولايات المتحدة على طموحات العالم ورغباته ، والثانى هو سد الثغرات ومنع أى منافسة لها من جانب أى قوة عالمية فى مناطق نفوذها، سواء كان ذلك فى أوروبا بضرب أى توجه روسى نحو التغلغل فى أوروبا واحتواء النفوذ الروسى بالقارة الأوروبية لصالح دعوة الأمن الأوروبى المستقل، أو فى منطقة المحيطين الهندى والهادى أو فى أفريقيا، دون إهمال بالطبع لدول أمريكا اللاتينية التى مازالت تصنفها واشنطن بـ “الحديقة الخلفية للولايات المتحدة”، أى أنها شديدة الخصوصية كجوار إقليمى للولايات المتحدة.
فقد أكدت الولايات المتحدة على لسان جاك سوليفان مستشار الأمن القومى (12/10/2022) أنها ستعطى الأولوية للتفوق على الصين التى تعتبرها منافسها العالمى الوحيد، فى الوقت الذى تعمل فيه أيضاً على كبح جماح روسيا “الخطرة”. وقال سوليفان فى كلمة ألقاها فى جامعة جورج تاون أثناء كشف النقاب عن استراتيجية الأمن القومى “انتهت حقبة ما بعد الحرب الباردة، والمنافسة جارية بين القوى الكبرى لتشكيل ما سيأتى لاحقاً”.
المتابع لإصدارات الفكر الاستراتيجى الأمريكى فى إمكانه أن يصل إلى يقين بأن الولايات المتحدة باتت تشعر بجدية، وربما بحرج ما تتعرض له من منافسة جادة من جانب الصين أولاً ومن روسيا ثانياً. ففى أحدث تحذيرات عن المخاوف التى يبديها البنتاجون والقلق من احتمال ألا تكون الولايات المتحدة فى حالة جهوزية فى مواجهة التحديات العسكرية المقبلة ، قال الأدميرال تشارلز ريتشارد ، قائد القوات المركزية الأمريكية (ستراتكوم) أن “الصراع الحالى فى أوكرانيا ليس الأسوأ الذى يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة له”، وقال القائد الأمريكى فى خطاب ألقاه فى الندوة السنوية لرابطة الغواصات البحرية وتحديث الصناعة أن الولايات المتحدة “يجب أن تستعد، فأزمة أوكرانيا التى نحن فيها الآن، هى مجرد عملية إحماء.. الكبير قادم، ولن يمر وقت طويل قبل أن يتم اختبارنا بطرق لم نختبرها منذ وقت طويل”. وفى مجال تقييم المنافسة الصينية والروسية للولايات المتحدة قال “بينما أقوم بتقييم مستوى ردعنا للصين ، فإن السفينة تغرق ببطء.. إنها تغرق ببطء.. لكنها تغرق، لأنهم فى الأساس يصنعون القدرة فى الميدان أسرع مما نحن عليه. ومع استمرار هذه المنحنيات ، لن يكون الأمر مهماً إلى أى مدى نحن جيدون، أو مدى جودة قادتنا، او مدى جودة خيولنا، لن يكون لدينا ما يكفى منها، وهذه هى مشكلة على المدى القريب جداً”.
هل ما يقوله الجنرال مجرد إنذار خطر ، أم نبوءة بما هو قادم؟ أياً ما كان الأمر فإن التحدى أضحى حقيقة لمواجهة نوازع التفرد الأمريكية التى لن يتحقق العدل فى العالم إلا بإعادة هيكلتها نحو واقع آخر بديل أكثر عدالة لأن التمرد على هذا التفرد بدأ يزداد جدية وعمقاً بدأته روسيا فى أوروبا والقادم مع الصين أكثر جدية .
mohamed.alsaid.idries@gmail.com
جريدة الأهرام:
14/3/2023