من تراثنا العربي
الفكر السياسي عند المعتزلة
عرض : علي رهيف الربيعي
يقول المؤرخون ، إن معبد الجهني وعطاء بن يسار أتيا إلى الحسن البصري وقالا له : ” يا أبا سعيد، هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم، ويقولون : إنما تجري أعمالنا على قدر الله تعالى ، فقال لهما الحس البصري : كذب أعداء الله ” (1). ويروي ابن عساكر (2) ان الحسن البصري هرب من جند الحجاج ولجأ إلى حبيب العجمي ( وهو صوفي من تلامذة الحسن) وقال له وهو يضطرب خوفا :” يا أبا محمد ، احفظني من الشرطة في اثري ” فأجابه حبيب : استحييت لك يا أبا سعيد. اليس بينك وبين ربك من الثقة ما تدعو فيسترك من هؤلاء ؟ “. ومن هذه المواقف ما ذكره ابن سعد (3) عن أيوب السختياني وهو جبري شديد العداء للقدرية، انه جادل الحسن البصري . اكثر من مرة، في مسألة القدر، فلم يعدل عن رأيه في هذه المسألة حتى هدده ببني أمية، فكف البصري عن ذلك. وروى السيد المرتضى قول الحسن البصري : ” كل شئ بقضاء إلا المعاصي (4). ولا يفوتنا أيضا ان نذكر موقف غيلان الدمشقي، وهو الشخصية الثانية بعد معبد، حين كتب إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز يدعوه إلى المذهب القدري، واصفا حال الإسلام والمسلمين في عهد الدولة الأموية، وما أدى إليه هذا الحال و من سوء حتى ” أخيف العالم فلا يتكلم، ولا يعطى الجاهل فيسأل” ( اي : محظر عليه السؤال) . ويظهر من سرد الحادثة ان عمر لم يقتنع بمذهب غيلان ، غير انه استدعاه ليعينه في إصلاح شؤون المسلمين فوافق غيلان، واقبل يبيع خزائن الأمويين ، ورد حقوق الناس إلى أهلها مناديا :” تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظلمة، تعالوا إلى متاع من خلف الرسول في أمته بغير سننه وسيرته، من يعذرني ممن يزعم ان هؤلاء كانوا أئمة هدى، وهذا متاعهم والناس يموتون من الجوع؟” (5). ومن أقواله ما يدخل ضمن نطاق الفكر السياسي ، كقوله :” الإمام يصلح ان يكون من قريش وسائر الأجناس من العرب والعجم، ولم يكلف الناس ان يولوا افضلهم عند الله ، وإنما كلفوا ان يولوا افضلهم عندهم في علمه وعمله ” (6). وتطول حادثة غيلان، ثم لا تلبث ان تنتهي بقتله، كما قتل عمرو المقصوص ، الشخصية الثالثة التي رفعت راية القدرية.
ورأي احمد امين في هذا الموضوع صريح جدا ، إذ يقول :” فلعل المعتزلة ورثوا أيضا كراهية بني أمية من شيوخهم هؤلاء ( يقصد معبد الجهني وغيلان الدمشقي من القدرية وجهم بن صفوان من الجبرية). وبنو أمية كما يظهر، كانوا يكرهون القول بحرية الإرادة، لا دينياً فقط ، ولكن سياسيا كذلك ، لأن الجبر يخدم سياستهم، فالنتيجة للجبر ان الله الذي يسير الأمور قد فرض على الناس بني أمية كما فرض كل شئ ، ودلتهم بقضاء الله وقدره فيجب الخضوع للقضاء والقدر.
المراجع :
1- طاش كبري زادة، مفتاح السعادة، ج ٢ ص ٣٣.
2- ابن عساكر، التهذيب. طبعة دمشق، ج ٤، ص ٢٠.
3- ابن سعد، ” طبقات”، دار صادر بيروت، ١٩٥٧، ج ٧، ص١٢٢.
4 – امالي المرتضى، ج١ ص ١٠٦، القاهرة ١٩٥٤.
5- راجع زهدي جار الله، المعتزلة، الأهلية للنشر بيروت ١٩٧٤ ص ٣٤
6- نفس المصدر.
2026 /07 /04