أبعاد المصالحة الخليجية!
ابو زيزوم.
تقود الولايات المتحدة جهوداً كبيرة لتطبيع الأمور بين قطر وخصومها الخليجيين ، بلغت من التقدم ان قطر والسعودية أصدرتا بيانات ترحيب وأعلنتا ان الخلاف انتهى او يقترب من الانتهاء. وتغير مكان وموعد القمة الخليجية الدورية مراعاة لهذا الحدث وحدد لها الخامس من الشهر القادم في الرياض بدل المنامة . لكن وسائل إعلام الطرفين ما زالت تهاجم وكأن شيئاً لم يكن . والمتابعون لا يحصلون على اجوبة عن تساؤلاتهم الكثيرة فالغموض سيد الموقف !.
ان عودة المياه الى مجاريها بين قطر وخصومها ضرب من المحال ، فالخلاف هذه المرة ليس توتراً دبلوماسيا كما كان يحدث في مرات عديدة وانما أُقحمت فيه الشعوب بركام من السباب المقذع لم يوفر الأعراض والنزعات العشائرية وعقد التاريخ ، وشيد بعض النشطاء والإعلاميين ، خصوصاً في جانب السعودية والامارات ، نظريات عداء بنوا عليها كمّاً من السوء لا يمكن إلغاؤه والتحرر منه في يوم وليلة . ثم ان قطر وخلال سنوات المقاطعة والعزل أُجبرت إجباراً ان تعتمد على نفسها وهو ما لم يكن متصوراً بالنسبة لحجمها وموقعها وبيئتها . ولقد نجحت في ذلك نجاحاً باهراً وأصبحت تتعامل مع بلد عملاق كالسعودية معاملة الند للند وتفرض شروطاً وترفض شروطاً . هذه الحالة من الندية لا تسمح بالعودة الى بيت الطاعة كما تأمل السعودية . وبما ان حاكم السعودية لا يجرؤ على قبول علاقة متكافئة مع جيرانه الخليجيين فإن هذه المصالحة تبقى مثار علامات استفهام .
يضاف الى ما تقدم ان المجاملات السياسية كما هو معروف جزء من المصالح السياسية ، وليس لأحد من الخليجيين مصلحة مع الرئيس المنصرف ترامب كي يتصالحوا إكرامًا له . ان للجميع مصلحة في مجاملة الرئيس الجديد ، وللسعودية خصوصية تشذ عن هذه القاعدة نعود اليها ضمن المنشور .
برأيي ان المساعي التي يقوم بها كوشنر لا تتعلق بمصالحة حقيقية بين الفرقاء ، فماذا يعني رئيسا ذاهباً ان يتصالح الخليجيون او لا يتصالحوا . المسألة برمتها تتعلق بوضع الرئيس ترامب ومحاولات بعض الاطراف وخاصة اسرائيل الاستفادة من المأزق الذي هو فيه . ترامب لا يزال تحت صدمة الفشل في الانتخابات ، والمؤكد انه لا يملك خطة واضحة لما سيفعله وانما لديه مجموعة سيناريوهات يتصارع مستشاروه وحلفاؤه على تزيين بعضها دون بعض . أحد تلك السيناريوهات ضرب ايران وهو ما تسعى اسرائيل ومعها السعودية لإقناع ترامب به . الإقناع في السياسة ليس كلاماً معسولاً وانما وقائع على الارض . هنا يندرج اغتيال العالم النووي الإيراني من قبل اسرائيل في محاولة لجر ايران نحو رد فعل يقنع ترامب بضربها .
ان عملاً عسكرياً كبيراً او صغيراً لا بد ان يمر عبر وزارة الدفاع ، فوزارة الدفاع صاحبة كلمة في هذا الشأن . وزارة الدفاع كغيرها من المؤسسات الامريكية المحترفة لا تقبل بناء خططها على أساس مصالح ونزوات رئيس خاسر لم يبق له في البيت الابيض الا ايّام . لذلك فإنها تبدي الاعتراض كلما نوقش الامر مع الرئيس ، وبين أسباب الاعتراض التي تحتج بها ان التنسيق مع دول الخليج المستضيفة للقواعد الامريكية لا بد ان يسبق اي عمل فعلي . ولما كانت اثنتان من اكبر القواعد على الارض القطرية فإن موافقة قطر المسبقة لا بد ان تكون حاصلة .
نعلم ويعلم غيرنا ان الولايات المتحدة لا تحتاج موافقة تلك الدويلات عند الضرورة ، لكننا امام إدارة منقسمة يبحث فيها المعترض عن ذريعة كي لا ينفذ الامر عندما يصدر له . والحجة قوية عندما يقول البنتاغون : كيف نهاجم ايران من الاراضي القطرية بينما هناك في نفس اللحظة طائرات مدنية قطرية تحلق في الأجواء الإيرانية ؟ من يتحمل المسؤولية اذا أسقطت ايران تلك الطائرات ومات آلاف الركاب من مختلف الجنسيات ؟. اذن لا بد قبل ذلك ان تتوقف قطر عن استخدام الأجواء الإيرانية . وبما ان الأجواء الإيرانية هي الأجواء الوحيدة المسموح لقطر التحليق فوقها يصبح المطلوب إخضاع قطر لحظر جوي شامل !!.
مَن تابع زيارة كوشنر للسعودية وقطر لا بد لاحظ ان فتح الأجواء السعودية امام الخطوط القطرية كان القضية الوحيدة التي ذُكرت من بين قائمة الخلافات الطويلة . هذا مع انها باتت القضية الأقل أهمية عملياً ، فقد تجاوزها القطريون منذ الأيام الاولى ولم يعودوا مهتمين بالبحث عن حل لها . بل ان القطريين وفي هذا التوقيت بالذات لا يرغبون في حلها !. فأن يعودوا للأجواء السعودية ويفسدوا علاقتهم بإيران وبعد ان يتحقق الغرض تمنعهم السعودية من جديد وترفض ايران استقبالهم لهو حماقة يرتكبونها بحق أنفسهم .
المتحمسون لزج ترامب في استهداف ايران هم اسرائيل والسعودية فقط . فحتى الإمارات ليست مع التصعيد بهذا الشكل . السعودية ستكون الخاسر الأكبر في حال تنفيذ هذا السيناريو ، بل ربما تكون الخاسر الأوحد لأن الإيرانيين سيجعلون من منشآتها النفطية هدفهم الاستراتيجي . لكن ابن سلمان مأزوم بشكل كبير كنتيجة طبيعية لخسارة ترامب ، واشعال الحرائق خيار المأزومين المفضل على أمل ان ينتج واقعاً مختلفاً يخرجهم من أزماتهم .
لقد اختارت السعودية للقمة الخليجية المزمعة اليوم الذي يسبق يوم اجتماع الكونگرس الامريكي لإقرار فوز بايدن . وهو اليوم الذي تسقط فيه جميع الطعون الانتخابية والاعتراضات القضائية وعلى ترامب ان يستسلم فيه للامر الواقع او يفعل شيئاً خارج الحسابات . يبدو ان الغرض من القمة إرسال رسالة لترامب بأن الخليجيين موحدون ورهن الإشارة . اما غير ذلك فلا مصالحة ولا حلول حتى لو ظهرت بعض الشكليات الزائفة .
( ابو زيزوم _ 950 )
2020-12-23