دبلوماسية المرأة ” نصف الحامل”!
وليد عبد الحي
تقوم فكرة البراغماتية بنسختها الامريكية على فكرة محددة هي ” ان معيار صحة اية فكرة او ممارسة هي مقدار المنفعة المترتبة عليها”، وتكاد هذه الفكرة تشكل الاساس الراسخ للسلوك السياسي الامريكي ، لكن الدول التي تتعامل مع امريكا تحرص غالبا على مواراة “ثمن العلاقة مع واشنطن”، فتجد في هذه الدول اعلانات لا تنقطع عن :
أ- اعفاءات امريكية لتلك الدولة دون ذكر ما هو المقابل
ب- رفع العقوبات الامريكية عن دول دون ذكر ما هو المقابل
ت- اعادة العلاقات الدبلوماسية او رفعها دون ذكر ما هو المقابل
ث- مساعدات عسكرية دون اية اشارة للمقابل
ج- ضمان منح دول قروضا امريكية دون ذكر ما هو المقابل
ح- كفالة دول في صندوق النقد الدولي او البنك الدولي للحصول على قروض دون ذكر المقابل لتلك الكفالة
خ- التصويت الامريكي مع قرارات تقدمها دولة معينة دون ذكر ثمن هذا التصويت
د- مساندة معارضة في دولة معينة دون ذكر ما هو المقابل من المعارضة إذا نجحت في تولي السلطة
ذ- اقامة مقرات امريكية (عسكرية او مدنية او امنية) دون ذكر المقابل
ان مواراة الثمن امر مفهوم للسلوك السياسي، لكنه غير مفهوم “للحقيقة السياسية ” التي يسعى خلفها الباحث ، فالولايات المتحدة ليست “مبرة خيرية” ،وهناك مؤسسات داخلها ستعمل على تحديد مدى “المنفعة” المترتبة على هذه السياسات الامريكية ، وكثيرا ما تسللت اثمان الصفقات فورا او لاحقا للاعلام الامريكي او غيره، لكنه يبقى طي الكتمان في اعلام الدول التي تتلقى المساعدة.
ودعونا نتوقف عند نموذج معين على البراغماتية الصارخة، فمن بين اكثر الشعارات الامريكية الدعائية هي ان الولايات المتحدة هي راعية الحفاظ والمراقبة لحقوق الانسان والديمقراطية في العالم ، وانها الراعية للقيم الديمقراطية، ولكن نماذج قياس مؤشر الديمقراطية تشير(عام 2025) الى ان من بين 61 دولة تصنف كدول ديكتاتورية هناك 39 منها له علاقات جيدة جدا مع واشنطن، ولا تتعرض لاية مواقف سلبية من الولايات المتحدة بل وتحظى بمركز متقدم في جدول العلاقة مع الولايات المتحدة ، ولا شك ان “الصمت الامريكي عن هذه الدول له ثمن، فما هو؟ هنا يسود الصمت غالبا..فكيف سيتم تقييم هذه العلاقة إذا كان الثمن المقابل ” غير معروف لنا”؟ ان الصمت الامريكي عن الثمن مقبول لانه مفيد لها ، وصمت الطرف الآخر في العلاقة مفيد بغض النظر عن التقييم المعياري له ،يكفي انه ” نافع” ، لكن الوجه الآخر في المنفعة هو تحديد لمن تعود المنفعة في الطرف المقابل للولايات المتحدة: هل هي لمنفعة النظام السياسي ام للمجتمع ام للدولة ؟ تُدَلِّل دراسة اكاديمية مفصلة في مجلة” European Journal of political economy ” عدد يناير 2022 ان اغلب المساعدات الامريكية تنتهي لصالح بقاء النظم السياسية الموالية لامريكا على حساب تحسين مصالح تطور المجتمع والدولة.
ان الثمن لأية علاقة مع الولايات المتحدة حتى لو كانت في فيلم سينمائي او مباراة رياضية غير منفصل عن “مقايضة ما” تتضمن مكاسب امريكية سيتم تقييمها من قبل المؤسسات الامريكية ذات الصلة وسيتم شرحها بكيفية او اخرى للمجتمع، اما الطرف الآخر في المقايضة فيتم الترويج فيه للعلاقة بأنها علاقة بريئة لا تنطوي على اية تنازلات، وهو امر يخالف تاريخ العلاقات الدولية بشكل عام وتاريخ العلاقات مع الولايات المتحدة بشكل خاص.
ولو نظرنا للمساعدات العسكرية من الولايات المتحدة لاقاليم العالم سنجد ان الشرق الاوسط هو الاعلى، ولو نظرنا في المساعدات الاقتصادية سنجد ان افريقيا هي الاعلى ، وهنا نعود للسؤال :ما هو الثمن لذلك ؟ هنا غالبا ما يسود الصمت.
ان الحديث عن علاقات الصداقة والتعاون “الطاهر” في العلاقات الدولية من خلال مواراة الاثمان هو اشبه بالحديث عن “إمرأة نصف حامل “، ولتقييم حقيقة العلاقة لا بد من كشف كفتي ميزان العلاقة ، بل ان اخفاء بعضها هو دليل على ارتفاع الثمن..وازعم ان الدبلوماسي العربي هو زوج “تلك المرأة نصف الحامل”
2026-10-06