يوميات من زمن آخر
يوميات من زمن آخر
الخديعة: حين يتحوّل الميناء إلى وكرٍ للدبابير
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في صفحات العمر، هناك أيامٌ ترفض أن تموت، تتشبث بذاكرتنا كما تتشبث الأشواك بملابس العابرين.
وهذا واحد من تلك الأيام… يومٌ علّمني أن الطيبة، إن لم تُرافقها بصيرة، قد تفتح أبوابًا لا يُغلقها إلا الندم.
عرفته رجلًا من زمنٍ مضى…
زمنٍ كان فيه الكرم فعلًا طبيعيًا، لا استعراضًا،
والوقوف إلى جانب الضعيف شرفًا لا مِنّة.
كان متعلمًا، ميسور الحال، ذا قلبٍ كبير لا يتّسع فقط لأهله، بل لكل من ضاقت به الدنيا.
يؤمن أن المرأة إن ضعفت فهي لا تطلب إلا سندًا، لا وصيًا.
يقف معها دون شروط، ويواسيها دون مقابل، ويفتح لها أبوابه كما لو كانت شقيقته في الزمن الصعب.
لكن ما لم يعلمه هذا الرجل…
أن النوايا الطيبة لا تُقرأ دائمًا كما كُتبت.
وأن العالم لم يعد يُكافئ النُبل، بل أحيانًا يُعاقبه.
ففي رحلته تلك، سار بمحاذاة الثعالب،
وجاور أبناء آوى،
وما كان يظن إلا أنهم بشرٌ أرهقهم التعب،
لكنهم كانوا أفاعي بثوب البشر،
وثعلبًا يبتسم وهو يُجهّز كمائنه.
ولم يكن يتّعظ.
ثم جاء الميناء…
فقال في نفسه: هنا ترسو السفينة، وهنا أخلع عني عبء السفر.
رأى فيه مأمنًا، سكينة، ميناءً دافئًا يحتضن قلبه،
فركن إليه.
لكن الميناء ما كان إلا وكرًا للدبابير.
حولهُ الظنُّ إلى خلاص، فتحوّل إلى قيد.
أعطى قلبه، ووقته، ومشاعره،
فإذا به يستفيق ذات صباح…
والماء راكد، بلا موج، بلا حياة.
كل ما منح… تبخّر،
كل ما زرع… حُوّل إلى غيره،
وبات سجينًا في ركنٍ كان يظنه خلاصًا.
عندها فقط… فهم الدرس.
أنّ الموانئ ليست كلها آمنة،
وأن هناك مَن يُتقنون تقمّص الطمأنينة ليصنعوا أقفاصًا من ذهب.
وأن أعذب الناس… إن لم يُحسنوا الحذر،
قد يُصبحون أول من ينزف في ساحة لا عدالة فيها.
وهكذا علّمني ذلك الرجل،
أن لا أترك سفينتي مهما تَعبت،
وأن أظل أبحث عن بحرٍ يعرف كيف يحتضن،
لا كيف يبتلع.
2025-07-27