ملخص القواسم المُشتركة لانتفاضات الجيل زد!
الطاهر المعز
هي انتفاضات تتميز بطابعها الأُفُقي، بلا قيادة ظاهرة، من إندونيسيا ونيبال إلى المغرب عبر مدغشقر، ضد الفساد والفقر المدقع والمحسوبية، وضد تراكم الثروات لدى فئة صغيرة، بشكل يستفز أغلبية سكان هذه البلدان، وتكمن أهم نقط ضُعف هذه الحركات والإنتفاضات في قِصَر النّفس، فهي غير قادرة على تحويل الغضب إلى ثورة، فقد تستطيع الإطاحة بحكومة، يُضحّي بها الرئيس أو الملك، دون تغييرات جوهرية في الأنظمة القائمة…
ظاهرة انتفاضات الشباب ليست جديدة في حدّ ذاتها، وإن تغيَّر شكلها، فقد انطلقت انتفاضات تونس ومصر نهاية 2010 وبداية 2011 وكذلك حركة 20 فبراير في المغرب وحركة “احتلوا وول ستريت” (2011)، وحركة “الساخطين الأوروبيين” (2011-2012) وهونغ كونغ (2019) وتايلاند (2020) وسريلانكا (2022) غير إن بعضها (مثل هونغ كونغ) كان بدعم أمريكي جَلِي، كما تم احتواء انتفاضة بنغلادش من قبل الولايات المتحدة، ورغم اختلاف السياق من بلد إلى آخر، هناك قواسم مشتركة تتمثل في الشكل الأُفُقي ( عكس العمودي) لمقاومة بعض مظاهر الإجحاف الرأسمالي كالفساد والمحسوبية واتّساع الفجوة الطّبقية وقمع الحُرّيات، وهي المظاهر التي ركز عليها “جيل زد” ( أو جيل زُوم) الذين وُلِدُوا بين سنتي 1996 و 2012 أو بشكل عام الشباب دون سن الخامسة والعشرين الذين يُشكلون شريحة كبيرة من سكان هذه البلدان، وتميّزوا عن الأجيال السابقة بمستوى تعليمي أفضل لكن بدون آفاق عمل، حيث ارتفعت نسبة البطالة في صفوف هذا الجيل المتعلم والمتمكّن من استخدام وسائل الإتصال الحديثة، ففي المغرب أو تونس تفوق نسبة البطالة لدى الشباب 25% في ظل آفاق اقتصادية مسدودة، وفي ظل تطبيق أوامر الدّائنين بخفض الوظائف الحكومية وخصخصة القطاع العام وخفض الإنفاق على البرامج الإجتماعية وخدمات الصحة والتعليم، فضلا عن إغلاق باب الهجرة النّظامية، وأصبح شباب آسيا ( الفلبين ونيبال وإندونيسيا…) يُمجّد علم القراصنة ( جولي روجر) من مسلسل الرسوم المتحركة الياباني ( ون بيس) الذي يرمز غلى طاقم القراصنة الذي يُناضل من أجل الحرية، مع إضافة مقاومة الفساد، بما في ذلك في نيبال حيث غَيّر الماوِيُّون بعض مظاهر النظام الإقطاعي التقليدي، لكنهم تحولوا إلى رجال أعمال، ويستعرض أبناؤهم ( جيل “أبناء نيبو” كما يُسَمّون في نيبال) حياة البذخ على وسائل التواصل الإجتماعي، وانتفض شباب نيبال ضدّ احتكار فُرص التوظيف والإرتقاء في درجات السّلّم الإجتماعي لأبناء هذه البرجوازية الجديدة الموالية لنظام الحُكم، وأثارت صورة ابن أحد الوزراء بجانب مجموعة من صناديق العلامات التجارية الفاخرة سُخط الشباب الفقير الباحث عن عمل وعن دخل يُمكّنه من العيش في ثاني أفقر دولة في جنوب آسيا، وأصبحت هذه الصورة وأمثالها رمزًا لغضب شباب الأحياء والأرياف الفقيرة…
في مدغشقر، يتنافس رجال الأعمال على منصب الرئاسة والمقاعد البرلمانية، وسلّطت مًظاهرات أيلول/سبتمبر 2025 الضوء على نهب ثروات البلاد ( النيكل والذّهب والكوبلت والتيتانيوم والأراضي الزراعية…) من قِبَل البرجوازية المحلّية والشركات الأجنبية العابرة للقارات مثل الشركة الأسترالية “بيس ريسورسز/إنرجي فيولز” وشركة “ريو تينتو” الأنجلو-أسترالية متعددة الجنسيات (عبر شركة كيو إم إم) وتقدّر قيمة الثّروات التي تستغلها هذه الشركات بحوالي 800 مليار دولارا، في حين يعيش نحو 75% من السكان تحت خط الفقر، وفق البنك العالمي.
في إندونيسيا، اندلعت شرارة الغضب من مُضاعفة منح بدلات سكن للبرلمانيين بقمة ثلاثة آلاف دولارا، أي عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور، ليصل الدّخل الشهري لكل برلماني إلى نحو ستة آلاف دولارا.
في المغرب، انطلقت شرارة الغضب من وفاة ثماني نساء خلال فترة قصيرة في قسم التوليد بمستشفى عمومي بمدينة أغادير، وندد الشباب بأولويات الحكومة “المُضللة” التي تُهْمل نظام الرعاية الصحية المُتهالك، وتُخصّص استثمارات ضخمة (أكثر من 5 مليارات دولار) لبناء وترميم الملاعب استعدادًا لكأس العالم لكرة القدم 2030، على حساب قطاعات الصحة والتعليم والسّكن والتشغيل…
استفاد الشباب المنتفض في هذه البلدان من استخدام منصات التواصل الاجتماعي في التنظيم والتعبئة، خارج إطار الأحزاب التقليدية والنقابات، لكن هذا الجانب الإيجابي ( المرونة التكتيكية وتغيير الخطط ومسارات المظاهرات بسرعة لمراوغة الشرطة والحواجز الأمنية…) يحمل داخله نقاط ضُعف قاتلة، من ضمنها الإفتقار إلى الأفق السياسي…
يفتخر شباب جيل زد بغياب القيود الهيكلية لتنظيم هذه الحركات الاجتماعية “بلا حزب وبلا تنظيم”، لكنها كذلك بلا مطالب متماسكة على المدى الطويل، فقد تُتيح الثقافة الإلكترونية، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي قدرة فائقة على التعبئة السريعة وواسعة النطاق، دون بُنية تنظيمية تقليدية، حركة هشة سياسيا وغير متينة، وتفتقر إلى استراتيجية طويلة الأمد، أو تحالفات طويلة المدى، من شأنها تحويل الغضب الفَوْرِي إلى تغيير جذري أو دائم للمؤسسات ( وليس تغيير شكلي لوزير أو حتى لحكومة)
أظهرت التجربة إن الإنتفاضات التلقائية ( مثل انتفاضات تونس ومصر وسريلانكا ونيبال وبنغلادش وإندونيسيا وغيرها) لم تُفضِي إلى تغيير جذري، بل عادت الأنظمة التقليدية إلى استبدادها، رغم تغيير شكلها جِلْدِها أحيانًا ( مثل الأَفاعي) من نظام رئاسي إلى برلماني أو من حكم البرجوازية الكمبرادورية “العِلْمانية” إلى الإخوان المسلمين وما إلى ذلك، واستخدمت الحكومات الجديدة شعارات الإنتفاضات لتكثيف استخدام أدوات السيطرة والمراقبة الإلكترونية لقمع الحريات وتكثيف الإستغلال الطبقي والإضطهاد الإجتماعي، كما ارتفعت الدّيون وحجم الفساد…
أظهرت احتجاجات الجيل Z في نيبال وبنغلاديش ومدغشقر والمغرب مدى وعي الشباب بالمشاكل القائمة ( لأنهم أول المتضررين منها ) ومدي الغضب ضد الإستغلال وضدّ الرأسمالية النيوليبرالية والفساد، لكن الوسائل الحالية التي يستخدمها الجيل Z تُعرقل عملية التحول من حركة إلكترونية إلى حركة ذات رؤية سياسية طويلة الأمد قابلة للتطبيق، بإمكانها الجمع بين الروابط المادية والرقمية على حد سواء، لذا يجب أن تستمر اليقظة والمشاركة الجماعية بعد الاحتجاج الذي قد يدون بضعة أيام على أقصى تقدير، بهدف ترجمة الغضب إلى تحول تقدّمي ديمقراطي واجتماعي دائم.
في المغرب، انطلقت الإحتجاجات السِّلْمِيّة لجيل Z212 إثْرَ سلسلة من الحوادث الأليمة التي أودت بحياة نساء في قسم التّوليد بمستشفى عمومي، للمطالبة بالتعليم والرعاية الصحية والتشغيل، وردّت الحكومة على هذا الشّكل السّلمي من الإحتجاج، بالقمع والإعتقال والتّشْويه الإعلامي الذي أَجَّجَ الشّعور بالظلم وزاد من تأجيج الغضب، لكن بقيت الرّؤَية ضيّقة ولأفق محدود، كما في البلدان الأخرى التي انتفض فيها شباب جيل زد…
2025-10-04