مفارقة الثروة والفقر في مالي: مناجم الذهب نموذجًا لاختلال العدالة الاقتصادية والتنموية!
بقلم: الدكتور وليد الحيالي
تُعدّ مالي واحدة من أكثر الدول الإفريقية تعبيرًا عن المفارقة القاسية بين وفرة الثروات الطبيعية واتساع رقعة الفقر الشعبي. ففي باطن الأرض يرقد الذهب، وفي ظاهرها يعيش الإنسان المالي معاناة الفقر، والبطالة، والهجرة، وانعدام الخدمات، واضطراب الأمن. وهذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل هي حصيلة تداخل تاريخي بين الإرث الاستعماري، وهيمنة الشركات الأجنبية، وضعف الدولة الوطنية، والصراعات الداخلية، والعقوبات الاقتصادية، والتدخلات الإقليمية والدولية.
تحتل مالي موقعًا مهمًا في خريطة إنتاج الذهب الإفريقي، وهي من الدول الغنية بالذهب والمعادن الأخرى. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن إنتاج الذهب الصناعي في مالي انخفض في عام 2024 بنسبة كبيرة، من 66.5 طنًا عام 2023 إلى نحو 51 طنًا، مع تقدير الإنتاج الكلي، بما فيه التعدين التقليدي، بنحو 58.7 طنًا. وهذا يعني أن الذهب حاضر بقوة في الاقتصاد المالي، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى تنمية اجتماعية عادلة أو رخاء شعبي واسع.
إن جوهر الأزمة في مالي يتمثل في أن الثروة المعدنية لا تتحول إلى عدالة تنموية. فالذهب يُستخرج، ويُصدّر، وتستفيد منه الشركات، والوسطاء، والنخب السياسية والعسكرية، بينما تبقى القرى والمناطق المنتجة محرومة من البنى التحتية الأساسية: المدارس، المستشفيات، الطرق، المياه الصالحة للشرب، وفرص العمل المستقرة. وهنا تتجلى ظاهرة معروفة في الاقتصاد السياسي باسم لعنة الموارد، أي أن الثروة الطبيعية قد تتحول من نعمة إلى نقمة عندما تغيب الإدارة الرشيدة، والشفافية، والرقابة الشعبية، والتوزيع العادل للعوائد.
لقد ورثت مالي، مثل كثير من دول غرب إفريقيا، اقتصادًا مشوهًا من المرحلة الاستعمارية الفرنسية. فقد صُممت الاقتصادات الإفريقية في زمن الاستعمار لتكون مصدرًا للمواد الخام وسوقًا تابعة، لا لتكون اقتصادات إنتاجية مستقلة. وبعد الاستقلال السياسي، بقيت التبعية الاقتصادية والمالية والثقافية قائمة بأشكال مختلفة، من خلال الشركات الأجنبية، وشبكات النفوذ، والعلاقات غير المتكافئة، والاعتماد على الخارج في التمويل والتجارة والتسليح والتكنولوجيا. لذلك فإن خروج فرنسا عسكريًا من مالي لا يعني بالضرورة نهاية آثار النفوذ الفرنسي أو نهاية البنية الاقتصادية التي تركها الاستعمار.
أما ما يُسمى أحيانًا بـ“الحصار الاقتصادي الفرنسي”، فينبغي فهمه بدقة. فليست فرنسا وحدها هي التي فرضت حصارًا مباشرًا على مالي، بل إن العقوبات الأبرز جاءت من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” عام 2022 بعد الانقلابات العسكرية وتأجيل العودة إلى الحكم المدني، وقد شملت إغلاق الحدود البرية والجوية وفرض قيود تجارية ومالية. غير أن فرنسا والولايات المتحدة ودولًا غربية أخرى أيدت تلك العقوبات سياسيًا، مما جعل قطاعات واسعة من الشعب المالي ترى فيها امتدادًا للضغط الفرنسي والغربي على قرار مالي السيادي.
وقد عمّقت هذه العقوبات أزمة بلد حبيس لا يملك منفذًا بحريًا، ويعتمد على الموانئ والطرق التجارية في الدول المجاورة. فالحدود حين تُغلق، وحركة السلع حين تتعطل، والأسواق حين تُحاصر، لا تتضرر السلطة وحدها، بل يتضرر الفلاح، والعامل، والتاجر الصغير، والطالب، والمريض. ومن هنا فإن العقوبات الاقتصادية، حتى عندما تُرفع كشعار سياسي للضغط على الحكومات، غالبًا ما يدفع ثمنها الفقراء قبل النخب الحاكمة.
وتفاقمت الأزمة بسبب تدهور العلاقة بين باماكو وباريس. فقد انسحبت القوات الفرنسية من مالي بعد تصاعد التوتر مع السلطة العسكرية، ثم اتجهت مالي إلى تنويع تحالفاتها، خصوصًا باتجاه روسيا. كما أعلنت مالي لاحقًا، إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر، الابتعاد عن بعض الأطر المرتبطة بالنفوذ الفرنسي والفرنكوفوني، في سياق موجة سياسية جديدة في الساحل الإفريقي ترفع شعار السيادة الوطنية ورفض الوصاية الخارجية.
لكن السيادة لا تُقاس فقط بطرد القوات الأجنبية أو قطع العلاقات مع قوة استعمارية سابقة، بل تُقاس أيضًا بالقدرة على بناء اقتصاد وطني عادل، وإدارة الموارد بشفافية، وحماية المواطنين من الفقر والجوع والعنف. فإذا خرج النفوذ الفرنسي ودخلت قوى أخرى لتحل محله في السيطرة على الذهب أو الأمن أو القرار السياسي، فإن جوهر التبعية لا يتغير، بل يتبدل عنوانها فقط.
ومن الأسباب الجوهرية لفقر الشعب المالي رغم ثروة الذهب ضعف الحوكمة في قطاع التعدين. فالشركات الأجنبية الكبرى، سواء كانت كندية أو أسترالية أو بريطانية أو غيرها، ظلت لفترات طويلة تستفيد من عقود وامتيازات لا تمنح الدولة والمجتمعات المحلية نصيبًا عادلًا من العوائد. وقد حاولت الحكومة المالية في السنوات الأخيرة تعديل قانون التعدين لزيادة حصة الدولة ورفع الضرائب وتعزيز السيطرة الوطنية على الموارد، إلا أن ذلك خلق صدامات مع شركات كبرى مثل “باريك غولد”، وأدى إلى اضطرابات في الإنتاج والاستثمار.
وهنا تبرز معضلة دقيقة: من حق الدولة أن تعيد التفاوض على عقود ظالمة وأن تستعيد نصيبًا أكبر من ثرواتها، لكن نجاح هذه السياسة يتطلب مؤسسات قوية، وقضاءً مستقلًا، وشفافية مالية، وخطة واضحة لتوجيه العوائد نحو التعليم والصحة والزراعة والبنى التحتية. أما إذا تحولت السيطرة على الذهب من يد الشركات الأجنبية إلى يد شبكات داخلية مغلقة، فإن الفقراء لن يربحوا شيئًا.
كما أن التعدين التقليدي والحرفي يشكل جانبًا مهمًا من اقتصاد الذهب في مالي. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التعدين الحرفي والصغير في مالي يمثل نسبة كبيرة من الإنتاج الفعلي، رغم أن الأرقام الرسمية لا تعكس دائمًا حجمه الحقيقي. وهذا القطاع يوفر مصدر عيش لمئات الآلاف، لكنه في الوقت نفسه يعاني من الفوضى، والتهريب، والعمل غير المنظم، واستغلال النساء والأطفال، والمخاطر الصحية والبيئية.
وتُعد الصراعات الداخلية سببًا أساسيًا في تعميق الفقر. فمنذ عام 2012 تعيش مالي اضطرابات أمنية خطيرة، بدأت بتمردات في الشمال، ثم توسعت بفعل الجماعات المسلحة المرتبطة بالقاعدة وداعش، والنزاعات العرقية، وضعف سلطة الدولة في الأطراف. وقد أدى ذلك إلى نزوح السكان، وتعطيل الزراعة، وإغلاق المدارس، وارتفاع تكاليف النقل والغذاء، وتراجع الاستثمار، وانتشار اقتصاد الحرب والتهريب. وتشير تقارير حديثة إلى أن انعدام الأمن ما زال يهدد حتى مناطق التعدين وسلاسل الإمداد، رغم استمرار الشركات الكبرى في العمل بسبب جاذبية الذهب وارتفاع أسعاره.
إن الصراع الداخلي في مالي ليس صراعًا عسكريًا فقط، بل هو أيضًا صراع على الأرض، والهوية، والموارد، والتمثيل السياسي. فحين تشعر مناطق واسعة بأنها مهمشة، وحين لا تصل إليها الدولة إلا عبر الجباية أو القوة العسكرية، تصبح البيئة مهيأة للتمرد، والتطرف، والجريمة المنظمة. وفي ظل غياب التنمية المتوازنة، يتحول الذهب من فرصة لبناء الدولة إلى وقود للصراع بين السلطة، والشركات، والجماعات المسلحة، والمهربين، والمجتمعات المحلية.
ولا يمكن إغفال العامل المناخي. فمالي بلد ساحلي وصحراوي يتأثر بالجفاف، وتغير المناخ، وتدهور الأراضي الزراعية. وحين تضيق سبل العيش في الريف، يتجه الفقراء إلى التعدين التقليدي أو الهجرة أو الانضمام إلى شبكات التهريب والجماعات المسلحة. وهكذا تتداخل الأزمة البيئية مع الأزمة الاقتصادية والأمنية، فينتج عنها فقر مركب يصعب علاجه بالحلول العسكرية وحدها.
إن معالجة هذه المفارقة تتطلب مشروعًا وطنيًا شاملًا يقوم على عدة ركائز. أولها مراجعة عقود التعدين بما يضمن حق الدولة والمجتمعات المحلية دون طرد الاستثمار المنتج أو تحويل القطاع إلى ساحة نزاع دائم. وثانيها إنشاء صندوق سيادي أو تنموي شفاف تُودع فيه نسبة معلنة من عائدات الذهب لتمويل التعليم والصحة والطرق والمياه في المناطق الفقيرة. وثالثها تنظيم التعدين الحرفي بدل تركه للفوضى والتهريب، عبر الترخيص، والحماية الصحية، ومنع عمالة الأطفال، وتوفير قنوات بيع رسمية عادلة. ورابعها بناء مصالحة داخلية حقيقية تعالج تهميش الشمال والوسط، وتربط الأمن بالتنمية لا بالقوة العسكرية وحدها.
كما أن التحرر من الهيمنة الفرنسية أو الغربية لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية جديدة لأي قوة دولية أخرى. فمالي لا تحتاج إلى استبدال وصي بوصي، بل تحتاج إلى دولة وطنية قوية، ومؤسسات نزيهة، واقتصاد إنتاجي، وشعب مشارك في القرار. فالسيادة الحقيقية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بقدرة المواطن المالي على أن يرى أثر ذهب بلاده في مدرسته ومستشفاه وحقله وطريقه ولقمة عيشه.
وخلاصة القول إن مالي ليست فقيرة لأنها تفتقر إلى الثروات، بل لأنها تفتقر إلى العدالة في إدارة الثروات. فالذهب وحده لا يبني وطنًا، إذا غابت الدولة العادلة. والمناجم لا تطعم الفقراء، إذا ظلت عوائدها حبيسة الشركات والنخب والصراعات. إن مأساة مالي هي مأساة بلد غني تحت الأرض، فقير فوقها؛ بلد يملك الذهب، لكنه لم يملك بعد شروط تحويل الذهب إلى تنمية، والسيادة إلى عدالة، والاستقلال السياسي إلى تحرر اقتصادي واجتماعي حقيقي
2026-05-07